الكاتبة وئام التركي
في مساءٍ رماديٍّ هادئ، جلستُ عند عتبةِ الذكريات أبحث عن ظلٍّ من حنين.
كان وجهُ أبي يطلّ من بين الغيوم، وابتسامةُ أمّي تضيءُ الزوايا كقنديلٍ من رحمة.
رائحة القهوة القديمة تسري في المكان، تهمس لي كأنّها تقول:
ما زالا هنا… في قلبكِ، لا يرحلان.
أغمضتُ عينيّ فرأيتُ مدينةً من نور، لا يسكنها الحزن ولا يغيبُ عنها الفجر.
في تلك المدينة، كانت أمّي تنتظرني بثوبٍ أبيض كالنقاء، ويدُها تمتدّ كما كانت كلّ صباح، تربّت على شعري وتهمس:
انهضي يا ابنتي… فالله معكِ.
وبجانبها أبي، بوجهه المشرق الذي لم يُبدّده الغياب، يبتسم لي كما لو أنّه لم يرحل يومًا.
تقدّمتُ نحوهما بخطواتٍ مرتجفة، أردتُ أن أصرخ، أن أبكي، لكنّ الدموع صارت طُهرًا يغسل الوجع.
قال أبي:
“الغيابُ ليس موتًا، يا ابنتي، هو بابٌ آخر للحضور.”
وقالت أمّي:
كلّ دعوةٍ خرجت من قلبكِ وصلت إلينا قبل أن تنطقيها.
وحين فتحتُ عينيّ، كانت المدينةُ قد تلاشت…
لكنّ دفءَ يديهما بقي في صدري.
عندها فقط عرفتُ أنّ الحبّ الذي زرعاه في روحي لن يموت،
وأنّني ما زلتُ أعيش بين نورهما، مهما ابتعدت المسافات.
فبعض الغياب لا يُطفئ النور… بل يعلّمه أن يضيءَ وحده إلى الأبد.
![]()
