الكاتبة مريم لقطي
كان هو الغريق، وكانت عيناها نجاته.
كان يقود سيارته ببروده المعتاد، يبدو على ملامحه التعب والإرهاق، وثمة لمعة حزن تنبعث من عينيه الرماديتين، فاليوم هو تاريخ وفاة شخص عزيز على قلبه.
كالعادة، قرر الذهاب إلى المحل المعتاد لشراء وردتها المفضلة: الأوركيدا السوداء.
عندما وصل، اشتد به الغضب لرؤيته المحل مغلقًا، فضرب على المقود بقوة وهو يشتم في سره. فجأة، لمح عجوزًا، فأسرع بالنزول وسؤاله:
“السلام عليكم أيها العم.”
العجوز: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.”
إدوارد: “هل هنالك محل ورود قريب من هنا؟”
العجوز: “بالطبع، ثمة محل يبعدك 10 دقائق، يُدعى بأصداء الورد. أكمل في طريقك وستجده على يمينك.”
إدوارد، ويبدو عليه الاستغراب من اسم المحل: “شكرًا.”
انطلق بسيارته، ولم يمضِ سوى وقت قصير حتى وجد أمامه المحل والكثير من الورود التي تزين مدخله. ترجل من السيارة، ودفع باب المحل برفق، فتراقصت الأجراس معلنة عن دخوله.
انتشرت رائحة الورود في الهواء كخليط من العطر والندى، لكنه لم يكن السبب الذي جعله يقف عند المدخل؛ ففي زاويته، وُجدت فتاة تحادث ورود الأوركيدا السوداء كما لو كانت تهمس بسر دفين. خصلات شعرها حالكة السواد كالليل، منسدلة على كتفيها.
حسم أمره وناداها بصوت ثابت: “يا بائعة الورد.”
رفعت رأسها ببطء، كأنها عائدة من عالم آخر. للحظة، تلاقت نظراتهما: بعينيها البندقيتين الواسعتين ذات الرموش الكثيفة الطويلة، وعينيه الحادتين الرماديتين، فتسلل شعور غريب إلى قلبه، كأن ظلًا باردًا مرّ بجسده.
“لم أرك تدخل”، قالت بصوت عميق.
اقترب إدوارد بخطوات بطيئة، ملاحظًا كيف كانت أصابعها تلامس بتلات الأوركيدا كما لو كانت تحاول قراءتها، سائلاً إياها:
“هل تخبرك الورود بأسرارها؟”
ابتسمت أمارسلين وقالت: “لكل وردة سر، لكن الأوركيدا السوداء لا تتكلم إلا لمن يشعر بها.”
رفع حاجبه باهتمام: “وهل تفهمينها أنتِ؟”
مررت أناملها على الوردة بخفة، وكأنها تعيد ترتيب أفكارها، ثم أجابت:
“إنها تحكي عن أولئك الذين يعشقون الظلال، الذين لا ينتمون إلى النور ولا إلى العتمة بالكامل.”
إدوارد: “يبدو أن لك علاقة وطيدة مع ورود الأوركيدا. أريد باقة منها.”
مضت بضع دقائق فقط، وكانت باقة الأوركيدا جاهزة. استلمها منها، ثم همس لها:
“لن يكون هذا لقاؤنا الأخير، يا ذات العيون البندقية الساحرة.”
ابتسمت أمارسلين ابتسامة غامضة، ثم أردفت: “ربما.”
![]()
