...
IMG 20251111 WA0061

 

 

الكاتبة وئام التركي 

 

في بعض الأيام، أشعر أنّ قلبي مدينة صامتة بعد عاصفة طويلة، شوارعها مليئة بالذكريات، ونوافذها مغلقة على الضحكات، والسماء فوقها رمادية وثقيلة.

كنت أظن أن القوة تكمن في الوقوف دائمًا مهما هبّت الرياح، لكنّي اكتشفت لاحقًا أن القوة الحقيقية هي أن تعرف كيف تنهض بعد السقوط، وكيف تعانق الألم بصمت، ثم تمضي إلى الأمام بنور داخلي صغير… لكنه دائم.

 

أنا صحفية، وأعرف كيف أبحث عن الحقيقة، كيف أصيغ الخبر في جملة واحدة تصل إلى القلب مباشرة، كيف أقرأ بين السطور لأكشف ما لم يُقل.

وأنا أدبية أيضًا… أعرف أن لكل شعور لون، وأن لكل ألم قصة، وأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الحقيقي.

في كل مقال أكتبه، وفي كل خاطرة أصدرها، أضع جزءًا من نفسي… جزءًا من رحلتي الداخلية… جزءًا من قلبي الذي يسعى إلى فهم الحياة والناس.

 

مرّت عليّ ليالٍ شعرت فيها أن قلبي أثقل من أن يحمله جسدي، وأن العالم كله صامت لا يسمعني.

كنت أسأل نفسي بلا جواب: لماذا كل هذا؟ لماذا الألم؟ لماذا الخيبة؟

واليوم، بعد أن جلست مع نفسي، أفهم أنّ كل سقوط كان درسًا، وكل وجع مرآة، وكل ضياع دعوة لاكتشاف نفسي من جديد.

 

تعلمت أن القوة ليست في التصلّب، بل في القدرة على أن تكون لطيفًا مع نفسك حين تنهار، في أن تبكي، ثم تمسح دموعك، ثم تمضي بخطوات هادئة.

تعلمت أن القلب حين ينكسر لا يفقد القدرة على الحب، بل يصبح أعمق، أصدق، وأكثر قدرة على رؤية الحقائق من دون أقنعة.

تعلمت أن الأمل ليس مطرًا غزيرًا يهطل فجأة، بل بذرة صغيرة تنمو ببطء، حين نغفر لأنفسنا، حين نخفف لومنا على ما فات، وحين نعيد ترتيب حزننا ليصبح أقل وجعًا وأكثر حكمة.

 

أنا أكتب لأني أريد أن أفهم نفسي، لأني أريد أن أشارك الآخرين ما شعرت به، لأني أؤمن أن الكلمة الصادقة يمكن أن تمنح الأمل، أو تزرع الطمأنينة، أو تفتح نافذة في قلب مغلق.

كل نص أصدره، كل مقال أنشره، كل خاطرة أكتبها، هو رسالة لنفسي أولًا:

تذكّر أنك قوية، تذكّر أنك قادرة على الوقوف بعد السقوط، تذكّر أن الألم مؤقت، وأن الأمل دائم، وأن قلبك يستحق أن يحب، أن يبدع، وأن يضيء.

 

كتابة النصوص ليست مجرد نقل للوقائع، بل رحلة داخلية… رحلة أكتشف فيها نفسي، أرتب فيها أفكاري، وأضعها في نص يخرج للعالم كما خرجت أنا منه: أكثر نضجًا، أكثر وعيًا، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

أنا أكتب لأني أؤمن بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تغيّر حياة، ولو حياة واحدة فقط، فهي تستحق كل التعب.

 

اليوم، أمشي بخطوات هادئة، أستمتع باللحظة، أراقب التفاصيل الصغيرة… صوت الشجر، خفة الضوء على الماء، ضحكة طفل، صمت شرفةٍ قديمة… كل شيء يصبح خبرًا أو صورة أو خاطرة أكتبها، لأجعل الحياة أكثر وضوحًا ولأجعل قلبي أخفّ.

 

وهكذا…

أكمل الطريق، أحيانًا بخطوات حذرة، وأحيانًا بخطوات واثقة، لكني دائمًا مستعدة للنهوض، مستعدة للابتسام حتى وإن كان خلفها ألم خفيف لا يراه أحد.

أعرف أن الحياة لا تتوقف عند أي جرح… بل تدهشنا حين نسمح لها بأن تُظهر لنا أن الأمل موجود دائمًا، وأن قلبنا قادر على الحب، على البقاء، وعلى الإبداع، مهما كانت العواصف.

 

أنا صحفية… وأنا أدبية… وأنا امرأة تعرف أن الحياة ليست مجرد أحداث، بل سرد حيّ… وأن الكلمة حين تُكتب بصدق تخلق معجزة صغيرة كل يوم، وتجعل من العالم مكانًا أكثر إنسانية، وأجمل، وأكثر أملًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *