...
IMG 20251125 WA0020

 

الكاتبة مريم لقطي

 

ليلةٌ باردة، تتخللها رياح الخريف، والأمطارُ المُتساقطةُ التي تُنذِرُ بقدوم عاصفةٍ هوجاء.
تكاد الرياح تقتلع الأشجار من جذورها، ومع ذلك تجلس تلك المرأة في الحديقة الخلفية لبيتها، غير مكترثة لتبللها، ولا إلى يديها التي تحوّل لونها من شدّة البرد إلى بنفسجي.
بشرتها صارت شاحبةً صفراء، كبشرة الأموات، عيناها ذابلتان، قد فقدت الشغف وحبّ الحياة.
تجلس وكأنها خرجت من معركةٍ دامية، وكأنّها الناجية الوحيدة بكلّ تلك الجروح.
حين تنظر إليها، ترى بأن كل شيء فيها قد سقط وتهاوى، كل شعور لديها صار رمادًا، هباءً ينسل من هباء.
تلسعها تلك القطرات المتساقطة ولا تهتم، وتختلط بدموعها فلا تكترث.
حتى إنها تتساءل: أحقًا ما زالت لديها القدرة على البكاء؟…

هي تشعر بمرارة الثكل والهزيمة، كأنها زجاجة كُسِرت، فجُمعت شظاياها برعشة وجع غامر.
حين تُمعن النظر فيها، ترى أن باطنها موت، وبين يديها تحمل صفحات العذاب.
ازداد وجهها شحوبًا، فصارت كالأشباح، تلطخها الوجيعة، وتنخر عظامها الآهات. لقد فتّت الألم أضلعَها، فقادتها القسوة إلى الضياع.
أضحت المأساة تعكس على وجهها لونًا قاتمًا، مسكونة بالوجع، تعمّها الأنّات، صارت منفية، منسية، بين يديها سدّ، وخلفها آخر.

لقد مزّقتها الحروق، وانهالت عليها رشقات العذاب.
هي اليوم أُخرى، لا تعرفها أنت، ولا أعرفها أنا، حتى هي أضحت سرابًا، وجعًا مسافرًا بين الأوردة وداخل الشرايين.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *