...
IMG 20251129 WA0076

بقلم / إسماعيل أبوزيد

 

يتخرّج الشباب وتملأ رؤوسهم أحلام الوظيفة والاستقرار. يبدأون في متابعة إعلانات الوظائف الخالية هنا وهناك، لكن سرعان ما يتسرب إليهم الإحباط؛ فكل إعلان يشترط خبرة سنوات، ويكتشفوا أن سوق العمل لا يعترف بحديثي التخرج. يتساءلون: ومن يُمكِن أن يمنحنا هذه الخبرة إن لم نتعيّن أولًا؟

وبينما هم في دوّامة الحيرة، تقع أعينهم على إعلان من النوع الماكر:

«كورس يعقبه تعيين… نحن نُؤهّلك لسوق العمل.»

فتتحرك في داخلهـم شرارة أمل، ويسارعون بالتصديق.

لا بأس… ندفع مقابل الكورس، طالما أن الوظيفة تنتظرنا في نهايته.

يدفع الشباب—بطيبة وسذاجة لا تستحق العقاب—المال، ويجلسون على مقاعد دورة تافهة لا تضيف لخبراتهم شيئًا. وما إن ينتهي الكورس حتى تبدأ اللعبة الحقيقية: مماطلة… ثم تهرب… ثم صمت.

عندها فقط يكتشفون أنهم وقعوا في الفخ، وتم اصطيادهم بنجاح، فيعودون إلى نقطة الصفر، يواجهون سوقًا قاسيًا لا يرحم، ومعركة يومية بلا سلاح.

لكنّ هناك سرابًا آخر… أشد قبحًا، وأثقل جرمًا:

سراب السفر إلى الخارج.

تأشيرة يسمّونها «حرة»، ويبيعونها للشباب الحالم بالمال والمستقبل المشرق. تأشيرة يروّجون لها بأنها بطاقة العبور إلى الثراء، بينما هي في حقيقتها سلسلة تُقيدهم إلى الوهم.

يجمع الشاب مدخراته… يتدين… يبيع ذهب زوجته… ويغادر، ليجد نفسه ينام على أرصفة الشوارع وحدائق المدن الغريبة.

يسألونه: ماذا حدث؟

فيرد بحسرة:

«باعني المكتب التأشيرة بآلاف الجنيهات… وعندما وصلت، لم أجد كفيلًا، ولا عملًا، ولا حتى من يرد على هاتفي.»

ثم يبدأ فصل الذلّ:

استغاثات تُنشر على مواقع التواصل… فيديوهات بدموع وانكسار… شباب فقدوا الأمل والقيمة والإنسانية في بلاد لا تعرف أسماءهم.

يصحون كل يوم على جرح جديد… وواقع أشبه بالكابوس.

فقد ماتت الضمائر، واختفى الخجل، وصار تجار الوهم يقتاتون على أحلام الشباب ويرقصون فوق جثثهم الملقاة في الغربة.

هذه صرخة للحساب… صرخة في وجه أشباح يتاجرون بالسراب، ويقتلون مستقبل شباب لم يجدوا من يرشدهم أو يحميهم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *