كتبت: رفيدة فتحي
هذه الليلة لم تكن كباقي الليالي؛ كانت السماء مرصعة بالنجوم، شديدة الصفاء، حتى إن من يتطلع إليها يتساءل دون وعي:
أيمكن تحت مثل هذه السماء أن يكون هناك غدر؟ خيانة؟ إخلاف للوعود؟ جرح لقلبٍ كان ذنبه الوحيد أنه أحب؟
بعد أن ألقت ريحانة سؤالها على جدتها، تفاجأت السيدة بذكاء حفيدتها. فعلى الرغم من صغر سنها، كانت تنظر إلى الأشياء بعمق يشبه أباها؛ لا تدع الأمور تمر مرور الكرام، وترى أن النطق بالوعود وحده لا يكفي.
أخبرتها سهام أنها ستفهم كل شيء بنفسها أثناء سرد الحكاية… بنفسها فقط.
ثم تنهدت بقوة وأضافت:
في ذلك اليوم، لم تعرف الفتاة النوم. استلقت على سريرها سعيدة، متقطعة الأنفاس من شدة الحماس والفرح، ومع ذلك كان هناك ألم خفي في أعماق روحها؛ نوع جديد من المشاعر يجذب القلب ويخيفه في آنٍ واحد.
سرحت بخيالها بعيدًا…
إلى أن تسلل صوت المؤذن من شرفتها، معلنًا دخول الفجر.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أيامها متشابهة؛ لا جديد فيها سوى انتظار الأمير الغائب.
وكان كلما مر يوم من ذلك العام الذي بدا لها بلا نهاية، تدون في مذكراتها أنها تخلصت من عبء يوم آخر من الانتظار.
لم تعد تخرج من بيتها إلا قاصدة ذلك البستان، تقف أمام تلك الشجرة التي تنمو بصمت مع الأيام، بعينين لامعتين وقلبٍ يضج شوقًا.
“يا إلهي… عندما يفقد الإنسان اتصاله بالله يصبح شنيعًا، إلى حد أنه لا ينتبه لما يفعله.”
قالت الجدة تلك الكلمات بنبرة حادة على مسامع حفيدتها، وكأن الصغيرة هي المذنبة.
تعجبت ريحانة من نبرة صوتها الغاضبة، واعتدلت في جلستها، تسوي بكفيها الصغيرتين بعض خصلات شعرها إلى الخلف، بينما تستمع باندماج شديد.
ذات صباح، وبعد مرور عام، ما إن فتحت ليلى عينيها حتى نهضت سريعًا، كأن عقربًا لدغها. ارتدت ملابسها وخرجت إلى الحديقة، تنتظر قدومه بلهفة، وقلبها ينبض بقوة.
وازداد خجلها فوق خجلها حين انتبهت إلى نفسها؛ أصبحت متوترة، مرتبكة…
لكن الساعات مرت، ولم يحدث شيء.
عادت الفتاة يومها خائبة إلى بيتها بعد انتظار الحبيب الغائب، وهي تواسي نفسها بأن عذرًا ما قد منعه؛ ربما أصابته حمى شديدة، أو حدث له أمر آخر. لذلك لن تستسلم، وستظل تنتظره كل يوم… حتى يأتي.
العار، الحب، الكبرياء…
كلها كانت تتكلم داخلها في وقت واحد.
لكن الأمر لم يتوقف عند سبعة أيام من إخلاف الوعد، بل امتد إلى شهر كامل.
حتى فقدت الفتاة صوابها، وانهارت باكية، وأصبح جسدها هزيلًا مع مرور الوقت.
صاحت ريحانة:
— هل الذي يحب يحدث له ذلك؟ إن هذا حقًا عذاب!
أجابتها الجدة بهدوء:
— الذي يحب يطمئن، يا ابنتي. الحب الحقيقي لا يُمرض صاحبه، بل يزهره كوردة متفتحة في نهار ربيعي.
صمتت الجدة لوهلة، ثم تابعت:
علمت أم الفتاة بكل ما جرى، وأخبرتها دون عتاب أنها ستسدي إليها نصيحة، إن عملت بها لن تندم، وستشفى روحها:
ألا تعلّق قلبها بمن لا يفعل من أجلها؛ فالكلمات وحدها لا تكفي، والأفعال فقط هي التي تثبت صدق المحبة.
أما الرجل الحقيقي، فلا يطلق الوعود بهذه السرعة، وعليه أولًا أن يدخل البيوت من أبوابها.
لمعت عينا ليلى بالدموع بعد أن شعرت بسذاجتها، وبدأت العبرات تنزل على خديها وهي تقول:
— إنني حمقاء… غافلة.
شدّت أمها على يديها بتعاطف، وقالت:
— الوقت كفيل بأن يداوي الجراح، لكن علينا أن نتعلم من أخطائنا.
ثم صمتت الجدة قليلًا، قبل أن تضيف:
— أتعلمين يا صغيرتي؟ قد تكون الفتاة ذكية مثلك تمامًا، لكن الإنسان أحيانًا يغفل، ولا يفيق إلا بعدما يتعلم الدرس.
![]()
