...
Img 20250618 wa0147

كتب: حسين العلي 

 

ثمة أشياء لا تُشترى ولا تُعطى ولا تُنتزع… إنها تنبع

من أعمق ما في النفس، كما ينبثق الينبوع من قلب الصخر، وكما تنبت زهرة وحيدة في صحراء قاحلة. الكتابة واحدة من تلك الأشياء: شغفٌ لا يُفسَّر

ولا يُترجَم، شعلةٌ لا تخبو مهما اشتدت العواصف،

وطنٌ يسكن الكاتب كما يسكنه الحنين.

 

منذ البدايات، حين كانت البشرية تخط أحلامها

فوق جدران الكهوف، كانت الكتابة بمثابة صرخة وجود. لم تكن مجرد تسجيل للحظة، بل كانت، ولا تزال،

طريقة للقبض على ما يتفلت، لتطويع الزمن داخل الكلمات، ولجعل الحلم والماضي والخيال أشياء ملموسة بين أيدينا.

 

الكتابة ليست مهنة. إنها حياة إضافية تُمنح لمن

يمتلك موهبة الحفر في ذاته، ولمن يملك الجرأة

على كشف هشاشته أمام الورق. الكاتب الحقيقي لا يبحث عن المجد، ولا يلهث وراء التصفيق؛ إنه

يكتب لأنه لا يستطيع أن يفعل غير ذلك. يكتب لأن الصمت داخله يتحول إلى طوفان، ولأن الكلمات

وحدها قادرة على أن تمنحه اتزانًا مؤقتًا فوق هاوية الوجود.

 

كل نص يولد، هو معركة خفية بين الألم والأمل،

بين ما يُقال وما يُخفى، بين ما يُراد قوله وما يعجز اللسان عن حمله. لحظة الكتابة تشبه الوقوف

على تخوم عالمين: عالم نعيشه وعالم نصنعه.

والكاتب هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يجمع النقيضين، أن يبتسم فيما قلبه ينزف، وأن يغني فيما روحه تذوب حزنًا.

 

الشغف بالكتابة يشبه الشغف بالحب. كلاهما

لا يُختلق ولا يُزيف. وكلاهما، حين يكون حقيقيًا، يترك في القلب أثرًا لا يُمحى. قد يحترق الكاتب بأحلامه،

قد يخسر أصدقاءه، قد يعيش فقيرًا ومنسيًا، لكنه يعرف أن لحظة واحدة من الصدق على الورق

تساوي حياة بأكملها.

 

هكذا يمضي الكاتب الحقيقي حياته: عاشقًا للورقة والقلم، محبًا للعزلة، صديقًا للكلمات. يحلم

وهو مستيقظ، ويكتب وهو يحلم. يركض خلف

الفكرة كما يركض طفل خلف طائرة ورقية في مهب الريح، ويعود كل ليلة إلى ذاته مثقلًا بالخيبات

والأمل، لكنه لا يتوقف. لأن الكاتب، حين يكتب،

لا يكتب نصًا فحسب…

بل يكتب نفسه.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *