...
IMG 20260722 WA0004

 

الكاتبة علياء فتحي (نبض)

 

ليس في العمر يومٌ يشبه هذا اليوم.

 

ليس لأنه يحمل تاريخ ميلادي، بل لأنه يحمل موعدًا سنويًا بيني وبين نفسي، موعدًا لا أستطيع الهروب منه مهما ازدحمت الحياة.

 

في كل عام، يأتي هذا اليوم ليضعني أمام مرآةٍ لا تعكس ملامحي، بل تعكس روحي.

 

أقف طويلًا… لا لأحسب السنوات التي مضت، وإنما لأتأمل الإنسان الذي صنعته تلك السنوات.

 

من كنت؟

 

ومن أصبحت؟

 

وهل ما زلت أسير في الطريق الذي تمنيته يومًا؟

 

أحيانًا أشعر أن العمر لا يمضي بنا، بل يأخذ منا شيئًا في كل محطة.

 

يأخذ حلمًا هنا…

 

وبراءةً هناك…

 

وشخصًا اعتدنا وجوده…

 

ويترك مكان كل ذلك درسًا جديدًا.

 

كأن الحياة لا تمنحنا الحكمة إلا بعد أن تدفعنا ثمنها كاملًا.

 

كل سنةٍ تمر، تجعلني أوقن أكثر أن الأشياء التي كنا نعدُّها كبيرة، كانت، في الحقيقة، صغيرةً جدًا.

 

وأن ما كنا نهمله، كان هو أثمن ما نملك.

 

راحة القلب…

 

وجلسةً هادئةً مع من نحب…

 

ودعاء أم…

 

وصحةً نستيقظ بها دون ألم.

 

كم من نعمٍ كانت تمر أمامنا كل يوم، ولم ننتبه إليها إلا بعدما غابت.

 

اليوم، لا أنظر إلى عمري باعتباره رقمًا جديدًا.

 

أنظر إليه باعتباره شاهدًا على رحلةٍ لم تكن سهلة.

 

رحلةٍ امتلأت بمحطاتٍ لم أخترها، لكنها اختارتني.

 

طرقاتٌ كنت أظن أنني لن أستطيع عبورها، فإذا بالله يمنحني قوةً لم أكن أعلم أنها تسكنني.

 

وانكساراتٌ كنت أعتقد أنها النهاية، فإذا بها تصبح بدايةً مختلفة.

 

تعلمت أن الإنسان لا ينضج حين يكبر، بل حين يتألم.

 

ولا يصبح أكثر حكمةً لأن الأيام مرت، بل لأن قلبه مر بما يكفي من التجارب.

 

واليوم، وأنا أقف على أعتاب عامٍ جديد، لا أشعر أنني أكبر سنًا…

 

بل أشعر أنني أصبحت أكثر فهمًا للحياة.

 

أقل انبهارًا بالمظاهر.

 

وأكثر تعلقًا بالسكينة.

 

أقل انتظارًا من الناس.

 

وأكثر انتظارًا من الله.

 

لقد أدركت أن أجمل الأشياء لا تُرى بالعين.

 

فالطمأنينة لا تُشترى.

 

والحب الصادق لا يُصنع.

 

والأثر الجميل لا يحتاج إلى ضجيج.

 

كل ما يحتاجه قلبٌ نقي.

 

وأيامٌ تُعاش بإخلاص.

 

أحيانًا أسأل نفسي…

 

لو عاد بي الزمن، هل كنت سأختار الطريق نفسه؟

 

ثم أبتسم.

 

لأنني أعلم أن كل ما حدث، بكل ما فيه من فرحٍ وتعب، هو الذي صنع الإنسانة التي أنا عليها اليوم.

 

ولولا تلك العثرات، لما عرفت قيمة الوقوف.

 

ولولا الخوف، لما عرفت معنى الأمان.

 

ولولا الألم، لما شعرت بلذة العافية.

 

في يوم ميلادي، لا أبحث عن أمنياتٍ كثيرة.

 

فقد أصبحت أمنياتي بسيطة…

 

أن يظل الله معي.

 

أن يحفظ من أحب.

 

أن يرزقني قلبًا لا يقسو مهما رأى.

 

وروحًا لا تيأس مهما طال الانتظار.

 

وأن يجعلني، كلما تقدمت في العمر، أقترب منه أكثر، لا من الدنيا.

 

فما قيمة السنوات إذا لم تزدنا قربًا من الله؟

 

وما قيمة الإنجازات إذا خلت من الطمأنينة؟

 

أما أنت، يا يوم ميلادي…

 

فشكرًا لأنك لا تأتيني كل عام لتذكرني بأنني كبرت، بل لتذكرني بأن الفرصة ما زالت قائمة.

 

ما دام في القلب نبض…

 

وفي الروح أمل…

 

وفي العمر بقية…

 

فما زال هناك متسع لنبدأ من جديد، ولنصلح ما أفسدته الأيام، ولنزرع خيرًا جديدًا، ولندعو الله أن يجعل ما بقي من الطريق أجمل مما مضى.

 

اللهم اجعل أعوامي القادمة زيادةً في الإيمان، واتساعًا في الرحمة، ونورًا في القلب، وبركةً في العمر، وحسنًا في الخاتمة.

 

واجعل يوم ميلادي، كل عام، بدايةً جديدةً لروحٍ أكثر قربًا منك، لا مجرد رقمٍ جديد يُضاف إلى سنوات العمر.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *