الكاتبة ترنيم جمال
يَغْفَلُ الإِنْسَانُ كَثِيرًا عَنْ نِعَمٍ قَدْ تَكُونُ مُحِيطَةً بِهِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ يَنْظُرُ دَائِمًا إِلَى مَا يَنْقُصُهُ. كُلُّنَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، قَدْ أَكُونُ أَنَا أَوَّلَهُمْ، لَكِنْ عِنْدَمَا نَهْدَأُ قَلِيلًا وَنُقَلِّلُ مِنَ التَّذَمُّرِ، يَبْدَأُ عَقْلُنَا يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ بِوُضُوحٍ، وَيَجِدُ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ أَنَّهُ كَانَ غَافِلًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ عَنْ أَشْيَاءَ حَوْلَهُ، أَشْيَاءَ ثَمِينَةً لِلْغَايَةِ، وَهَذَا بِبَسَاطَةٍ؛ لِأَنَّ العَقْلَ يَقُومُ بِخِدَاعِكَ؛ لِكَيْ تَبْحَثَ دَائِمًا عَنْ نَوَاقِصِكَ، لَا مَا تَمْلِكُهُ فِعْلًا.
هَذَا هُوَ بِالفِعْلِ مَا نُسَمِّيهِ العَقْلَ البَاطِنَ.
أَنَا، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: أَتَذَمَّرُ مِنَ المَعِيشَةِ، لَيْسَ بِمَعْنَى الشَّكْوَى، وَلَكِنْ أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ لِأُحَفِّزَ نَفْسِي عَلَى التَّغْيِيرِ، وَتَطْوِيرِ ذَاتِي، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا أَكْتَشِفُ أَنَّنِي كُنْتُ خَطَأً، بَلْ تُوجَدُ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ، عِنْدَمَا فَجْأَةً أَهْدَأُ، وَأَشْعُرُ بِنَسَمَاتِ الهَوَاءِ الَّتِي تَأْتِي مِنَ النَّافِذَةِ.
هُنَاكَ مُصْطَلَحٌ بِالعَامِّيَّةِ يَقُولُ: «رَدَّتْ فِيَّا الرُّوحُ»، عِنْدَمَا أَشُمُّ هَذَا الهَوَاءَ النَّقِيَّ، وَأَتَذَكَّرُ بَعْضَ إِنْجَازَاتِي السَّابِقَةَ، وَأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ فِعْلَ أَشْيَاءَ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا، وَأَتَذَكَّرُ دَائِمًا أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ اللهَ يَرْزُقُنَا مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ.
قَالَ تَعَالَى:
{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}.
فَلِمَ يَا ابْنَ آدَمَ تَحْزَنُ؟! وَتَخَافُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَتَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ لَا تُوجَدُ أَيُّ فَائِدَةٍ؟
تَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ السَّعْيَ وَالاجْتِهَادَ عَلَيْكَ، وَالنَّتِيجَةَ عَلَى اللهِ، حَتَّى وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا تُوجَدُ نِعَمٌ، فَاعْلَمْ أَنَّهَا سَتَأْتِي، وَيَتَحَقَّقُ الَّذِي تُرِيدُهُ، لَكِنْ لَيْسَ بِالتَّوَاكُلِ وَالتَّذَمُّرِ، بَلْ بِالصَّبْرِ وَالاجْتِهَادِ.
![]()
