الكاتب محمد طاهر سيَّار الخميسي
لا تخرج هذه المرة إلى الحرب، فإنّك لن تعود كما ذهبت على قدميك.
وسيعيدونك على نعشٍ ممزقٍ، لم يبقَ منك إلا فتاتٌ من بقايا جسدك الهزيل،
وسيقبرونك شهيدًا… لأن نيتك وولاءك وانتماءك كانت لوطنٍ نسيك، ولم يصنك.
ولكني أقولها لك من قلبٍ موجوع، وبقلب الأخ: لا تُهلك نفسك في معركةٍ خاسرة،
خلف قادةٍ لا ينصرون دينًا ولا يحمون وطنًا،
بل يبيعونه في المزاد العلني، ويتاجرون به في بورصات الدولارات والريالات الحقيرة،
التي كانت ثمنًا لدمك، ولتضحيات الشهداء من قبلك. لقد جعلوا من دمك وتضحيات من سبقوك ثمنًا رخيصًا لصفقاتهم.
إن الحرب فتنةٌ كبرى، ضحيتها الأولى نحن المدنيين، وأنتم أيها العسكريون الغلابى. لقد ضيّعت أحلامنا، ومزّقت شملنا، وفرّقت وحدتنا،
في الشمال وفي الجنوب، وفي الشرق وفي الغرب، وفي كل ربوع الوطن الجريح.
واعلم أن الشعب اليمني شجاع، لا يلد إلا الشجعان والأبطال، أبناء الشماء. أرواحهم على حدّ مضارب السيوف اللوامع، وصدورهم على أسنّة الرماح،
مصنع الرجولة ومعدن الأصالة، جيلًا بعد جيل، لا يبالون برياح العواصف، وخيولهم معفّرة بغبار الفلوات.
وجنود اليمن رجال أينما كانوا، أولو بأسٍ وقوة، لا يعرفون الخوف، ولا يعرفون التراجع،
ولا ينال منهم عدوهم مأربًا من مآربه وأطماعه الدنيئة.
وكما شاهدنا بأم أعيننا مقابر الطامعين والغزاة، من العرب والعجم، وكيف انتهى بهم المطاف إلى الهزيمة النكراء والرحيل صاغرين أذلاء. فسميت اليمن مقبرة الغزاة؛ لأنهم لم يلاقوا جيشًا واحدًا… بل لاقوا شعبًا كله جيوش، وشعبًا كله مقاتلين لا قاتلين.
فإياك أن تغتر بتلك الخطابات الرنانة والبيانات الفارغة التي يزبد بها القادة السياسيون من خلف شاشاتٍ إلكترونية باردة،
وهم متربعون داخل أبراجٍ ودورٍ وقصورٍ مكيفة آمنين، بينما يزجون بك إلى الجحيم. يبيعونك الوهم ويتسترون خلفك. ولو كانوا صادقين لكانوا في طليعة صفوف المعركة، وأول من يبذل روحه. إننا لا نريد قادة يصنعون الموت، إنما نريد من يصنع الأمان للخائف، والخبز للجائع، والدواء للمريض. نريد من يمسح دمع اليتيم بدلًا من أن يصنع المزيد من الأيتام.
وهم يعرفون أعداءهم حق المعرفة ولا يواجهونهم،
ويغررون بك أنت أيها البطل الشجاع، لتدخل معركةً كان الأجدر بهم أن يكونوا هم في الصفوف الأمامية فيها.
فإن كانوا يريدون حقًا حربًا تنصر الحق وتهزم الباطل، فليكونوا هم السند والظهر،
والكتف التي تستند إليها، ويد العون التي بها يتحقق النصر،
والمدد الذي يمدّك بالعزيمة حتى تقاتل وأنت مطمئن أن من خلفك لن يخذلك.
إننا لا نريد قادة حرب… إنما نريد قادة بناء.
نريد من يكون الأمان والسكينة للخائف،
والغوث والسند للفقراء والمساكين الذين يموتون جوعًا وعطشًا وذلًّا وقهرًا،
في سبيل لقمة العيش، وفي سبيل حربٍ لم يوقدوها.
هؤلاء قد حُرموا من أبسط الأساسيات التي لم تتوفر لهم بسبب الحصار والمعاناة المفتعلة.
تلك المعاناة التي صنعها تجار الحروب، وزجّوا بنا في مقامراتهم ومغامراتهم القذرة.
لا يرون في أبناء شعبهم إلا أرقامًا في صفقات سلاح مع الحليف،
يدفعون ثمنها من قوت شعبٍ لا يعرف الكماليات،
ويموت كل يوم وهو يبحث عن الأساسيات: مسكن يأويه، ومشرب يرويه، ومأمن يحميه، وصحة تداويه، وتعليم ينهض به.
أراك اليوم تحرس أموال الطغاة، وأبناءك وأهلك وذويك في البيت جوعى يشدون على بطونهم من الجوع.
أراك أمينًا مخلصًا في مهمتك الوطنية، لوطن خانك في راتبك وفي كرامتك، ولم يُوفوا بدفع معاشك الذي هو حقٌ من أبسط حقوقك.
أراك تحزن ويغلي دمك غيرةً على كل ما يمس سيادة وطنك،
ولكنك في وطنٍ لا يأبه بك حين يراك الضحية الأولى، والخاسر الأكبر، وكبش الفداء الدائم.
أراك بطلًا تمشي مع أسودٍ تقودها ذئاب،
ومع ذئابٍ تنقاد صاغرةً لأوامر الشياه.
أراك فارسًا لكن جوادك مقيد، ومقاتلًا لكن سلاحك بيد غيرك.
وقرارك ليس بيدك، بل بيد حليفٍ لا يجلب لك إلا الذل والخزي والهوان.
وتذكر: الحرب لا تلد إلا حربًا، والأزمة لا تلد إلا أزمات، والفقر لا يلد إلا مزيدًا من الفقر، والظلم لا يلد إلا رمادًا.
فنحن المدنيين، وأنتم أيها العسكريون، غلابى على أمرنا.
نرضى بالفتات، وهم ينهبون ثرواتنا ويحولونها إلى خزائن حلفائهم،
إلى بطونهم التي تسمن، بينما أجسادنا تتحلل وتهلك جوعًا وقتلًا.
إن الحرب التي جعلونا وقودها لم تأتِ يومًا لنصرتنا، ولم تأتِ من أجلنا، بل جاءت لتخمد أنفاسنا.
ولم تأتِ يومًا حقنًا لدمائنا، بل جاءت لنهب نفطنا وسلب حريتنا وكرامتنا.
وأنت الآن أيها المقاتل في الجبهات تلتحف السماء، وبساطك الأرض، وتربط على بطنك بالحجر من شدة الجوع، وقلبك يعتصره الألم،
شوقًا إلى زوجةٍ مكلومة تنتظر عودتك، وأطفال جياع يسألون: متى يعود أبونا؟ وأم وأب بلا زاد ولا دواء،
يتفقدون هواتفهم كل دقيقة لعلهم يجدون رسالة منك،
ويترقبون عودة المجاهدين… ويتساءلون: «وأين فلان؟ لماذا لم يعد معهم؟»
لذلك كن ذئبًا لا تأكله الذئاب،
وكن عاقلًا لا يذبحه حماس السياسيين وحمقهم السياسي.
كن بطلًا ثابتًا على مبدئك، لا تخذل وطنك، رغم علمك بالحيلة والمكيدة والخذلان الآتي من فوق.
لقد راهنت بحياتك من أجل تراب هذا الوطن، لا من أجل كراسيهم ولا من أجل الذين باعوا الوطن.
وفي هذه المرة المعركة خاسرة سلفًا.
قادة خارج المعركة في الفنادق، وجنود على الثغور يموتون، ومدنيون في البيوت يتضورون جوعًا.
هذه ليست بطولة… هذه نهاية مأساوية دبروا لها. وليست نهاية المجد… هذه نهاية العبث.
إننا نحلم بوطنٍ واحد، بسيادةٍ يمنيةٍ خالصة،
لا تتبع أجندات دولٍ أخرى، ولا تُملى علينا من الخارج، لا تريد لنا إلا الدمار والخراب والتبعية.
وها هي النتيجة أمامنا منذ اللحظة الأولى للحرب.
فلا وطن التمّ شمله، ولا دولة قامت،
ولا نصر تحقق، ولا وعد صدق،
ولا جائع شبع، ولا فقير استغنى،
ولا خائف أمن، ولا مشرد عاد،
ولا مدينة بُنيت، ولا طريق زُفلت، ولا مستشفى فُتحت أبوابه للمرضى، ولا مدرسة محَت الجهل بالعلم.
وكل ما حدث هو أن الجهل استشرى فصار وباءً،
والجوع عمّ فصار قدرًا، والخوف انتشر فصار هواءً نتنفسه، والظلم طغى فصار قانونًا. وتخاصم الناس حتى على أتفه الأمور،
وتحالف الغني مع الطاغية على الضعيف:
فالأول يخنقه بالأسعار والحصار، والثاني يقتله بآلات الخراب والدمار.
فآه، متى سينتهي هذا العار ونبدأ ببناء الديار؟ ومتى نسلم من مكر الجار، وننتصر على أنفسنا؟
إلا إذا عدنا إخوة، بيدٍ واحدة، وبوحدةٍ يمنيةٍ حرةٍ أبية. شمال وجنوب تحت راية الجمهورية، وطن نبنيه نحن، لا تجار الدم، ولا يحرره خطباء المنابر. وطن نبنيه نحن الأحرار حين نسير مع تيار الحياة لا ضده، حتى يأتي القطار الذي طال انتظارُه؛ قطار الأمل، قطار العزة والكرامة.
![]()
