...
IMG 20260913 WA0028

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن أحمد يعرف أن الأيام الجميلة التي عاشها مع منة ستدخل فجأة في اختبار جديد

 

فمنذ أن اقترب موعد الزواج

 

بدأت المصاريف تتجمع أمامه بطريقة لم يكن يتوقعها

 

كل تفصيلة في الشقة لها ثمن

 

وكل خطوة تحتاج إلى مبلغ

 

وكلما انتهى من شيء

 

ظهر أمامه شيء آخر

 

وكان أحمد يحاول قدر استطاعته ألا يجعل منة تشعر بأي ضغط

 

كان كلما تحدثت معه عن شيء تقول له

 

لو الحاجة دي هتضغط عليك بلاش

 

فيقول

 

لا

 

قالت

 

أحمد أنا مش عايزة أتعبك

 

قال

 

إنتي مش بتتعبيّني

 

قالت

 

بس أنا شايفة الظروف

 

قال

 

وأنا شايفها

 

قالت

 

يبقى ما نحملش نفسنا فوق طاقتنا

 

كان كلامها يريحه

 

لكن في داخله كان هناك شيء آخر

 

كان يريد أن يعطيها كل ما تتمناه

 

ليس لأنها طلبت

 

بل لأنه كان يريد أن يشعر أنها لم تنقصها حاجة بسببه

 

وفي إحدى الليالي

 

كان أحمد في عمله

 

وكان الليل طويلًا

 

والساعات تمر ببطء

 

لكن هذه المرة لم يكن الملل هو ما يزعجه

 

كان يفكر في مبلغ يحتاج إليه خلال الأيام القادمة

 

ظل يحسب

 

ثم يعيد الحساب

 

ثم يفتح هاتفه

 

ويراجع ما معه

 

ويغلقه

 

ثم يعود للحساب مرة أخرى

 

وكان أكثر شيء يؤلمه

 

أنه لا يريد أن يقول لمنة إن هناك شيئًا لا يستطيع فعله

 

ليس خوفًا منها

 

بل خوفًا من أن تشعر أنه غير قادر

 

وفي منتصف الليل

 

اتصلت به منة

 

قالت

 

إنت ساكت ليه

 

قال

 

مفيش

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا عارفة صوتك

 

قال

 

يعني

 

قالت

 

في حاجة مضايقاك

 

قال

 

بفكر بس

 

قالت

 

في إيه

 

قال

 

في حاجات الشقة

 

قالت

 

إحنا لسه قدامنا وقت

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

طب مالك

 

سكت أحمد

 

ثم قال

 

أنا خايف أقصر معاكي

 

قالت

 

تقصر في إيه

 

قال

 

في أي حاجة نفسك فيها

 

قالت

 

أنا قلت لك قبل كده إني مش مستنية منك حاجة

 

قال

 

بس أنا مستني من نفسي

 

قالت

 

وده اللي بيتعبك

 

قال

 

يمكن

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا مش اخترتك عشان الشقة

 

ولا عشان الحاجة اللي هتجيبها

 

ولا عشان الفلوس

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

أمال ليه بتفكر بالطريقة دي

 

قال

 

عشان أنا عايزك تكوني مرتاحة

 

قالت

 

أنا مرتاحة معاك

 

قال

 

بس

 

قالت

 

أيوه

 

ثم قالت

 

لو البيت صغير بس فيه راحة

 

أنا هبقى مبسوطة

 

لو الأثاث بسيط بس إحنا متفاهمين

 

أنا هبقى مبسوطة

 

لو يوم من الأيام اتزنقنا

 

هنقعد ونفكر سوا

 

قال

 

مش عايزك تشيلي هم

 

قالت

 

وأنا مش هسيبك تشيله لوحدك

 

ظل أحمد صامتًا

 

ثم قال

 

إنتي عارفة إنك بتعملي إيه فيا

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

كل مرة أفتكر إني لازم أحميكي من الدنيا

 

تخليني أحس إنك قادرة تقفي جنبي قدام الدنيا

 

قالت

 

عشان إحنا فريق

 

قال

 

فريق

 

قالت

 

آه

 

قال

 

يعني مفيش أنا وإنتي

 

قالت

 

في إحنا

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

أنا بحب كلمة إحنا دي

 

قالت

 

وأنا كمان

 

ثم قالت

 

بس عندي طلب

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

ما تخبيش عليا حاجة

 

قال

 

حتى لو الموضوع مادي

 

قالت

 

خصوصًا لو مادي

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان ما تبقاش شايل لوحدك

 

قال

 

حاضر

 

قالت

 

وإنت كمان

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

لو في يوم أنا تعبت أو اتضايقت

 

مش هتقول لي ما تشيليش هم وتبعدني

 

قال

 

هعمل إيه

 

قالت

 

تخليني جنبك

 

قال

 

وعد

 

قالت

 

وعد

 

وفي اليوم التالي

 

ذهب أحمد إلى الشقة

 

وكان هناك بعض العمال يعملون في جزء من التجهيزات

 

وقف يتابعهم

 

ثم بدأ يتحدث معهم عن بعض التفاصيل

 

وكان يحاول أن يجد حلولًا أقل تكلفة لبعض الأشياء دون أن يؤثر ذلك على الشكل النهائي

 

وبعد فترة

 

جاءت منة

 

فوجدته منشغلًا

 

قالت

 

إنت بتعمل إيه

 

قال

 

بحاول أوفر في شوية حاجات

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان نخفف المصاريف

 

قالت

 

طب وأنا كنت بقول لك إيه

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

قول

 

قال

 

إنك مش عايزة حاجة تضغط عليا

 

قالت

 

طيب

 

قال

 

بس أنا عايز أعمل اللي أقدر عليه

 

قالت

 

اعمل اللي تقدر عليه

 

لكن ما تعملش اللي فوق قدرتك

 

نظر إليها أحمد

 

وكانت جملتها بسيطة

 

لكنها أصابت شيئًا عميقًا بداخله

 

فقال

 

أنا ساعات بحس إني لازم أعمل المستحيل

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان أكون جدير بيكي

 

قالت

 

إنت جدير بيا من غير المستحيل

 

سكت أحمد

 

فأكملت

 

أنا مش عايزة راجل يثبت لي حبه بإنه يتعب نفسه

 

أنا عايزة راجل أعرف إني لو الدنيا ضاقت عليه هيكلمني

 

ولو أنا الدنيا ضاقت عليا هكلمه

 

قال

 

يعني مش هتزعلي لو قللنا حاجة

 

قالت

 

أنا اللي ممكن أقول لك نقللها

 

قال

 

طيب لو الحاجة اللي نفسي أجيبها لك

 

قالت

 

لو هتتعبك

 

مش عايزاها

 

قال

 

حتى لو نفسي فيها

 

قالت

 

إنت أهم عندي من الحاجة

 

ثم اقتربت من إحدى النوافذ

 

ونظرت إلى الخارج

 

وقالت

 

بص

 

قال

 

على إيه

 

قالت

 

البيت ده لسه فاضي

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

بس أنا شايفة فيه حاجات كتير

 

قال

 

زي إيه

 

قالت

 

شايفة أنا وإنت قاعدين هنا

 

شايفة يوم بنختلف

 

ويوم بنتصالح

 

شايفة يوم إنت راجع تعبان

 

وأنا بقول لك ارتاح

 

شايفة يوم أنا تعبانة وإنت تعمل لي حاجة أشربها

 

شايفة ضحك

 

وشايفة زعل

 

وشايفة أيام حلوة وأيام صعبة

 

قال

 

إنتي شايفة كل ده في شقة فاضية

 

قالت

 

عشان البيت مش بالحاجات اللي فيه

 

قال

 

أمال بإيه

 

قالت

 

بالناس اللي فيه

 

نظر أحمد إليها طويلًا

 

ثم قال

 

أنا مش عارف ربنا رزقني بيكي إزاي

 

قالت

 

الحمد لله

 

قال

 

أنا كل ما الدنيا تضيق عليا

 

كلمة منك بتوسعها

 

ابتسمت

 

وقالت

 

وأنت لما الدنيا تضيق عليا

 

وجودك بيخليني أهدى

 

قال

 

يبقى إحنا كويسين

 

قالت

 

إحنا كويسين

 

وفي تلك اللحظة

 

وصلت رسالة إلى هاتف أحمد

 

قرأها

 

ثم تغير وجهه قليلًا

 

لاحظت منة ذلك

 

وقالت

 

في إيه

 

قال

 

لسه مش عارف

 

قالت

 

قول لي

 

قال

 

المبلغ اللي كنت معتمد عليه في حاجة من التجهيزات اتأخر

 

قالت

 

قد إيه

 

قال

 

مش عارف

 

يمكن شوية

 

قالت

 

طيب

 

قال

 

يعني ممكن نضطر نأجل بعض الحاجات

 

قالت

 

نأجلها

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ماشي

 

قال

 

بس

 

قالت

 

مفيش بس

 

قال

 

إنتي مش زعلانة

 

قالت

 

أزعل ليه

 

قال

 

عشان حاجات كنا مخططين لها

 

قالت

 

المخطط بيتغير

 

قال

 

بس

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

إحنا من أول يوم اتفقنا إننا نواجه أي حاجة مع بعض

 

قال

 

صح

 

قالت

 

يبقى دي أول فرصة نثبت إن كلامنا كان بجد

 

نظر إليها أحمد

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

إنتي بتعرفي تطلعي الكلام في وقته

 

قالت

 

عشان أنت بتحتاج تسمعه

 

قال

 

أنا محتاجك

 

قالت

 

وأنا جنبك

 

قال

 

حتى لو الأمور اتأخرت

 

قالت

 

حتى لو اتأخرت

 

قال

 

حتى لو الشقة ما خلصتش في الوقت اللي كنا متخيلينه

 

قالت

 

هنستنى

 

قال

 

حتى لو اضطرينا نغير حاجات

 

قالت

 

هنغير

 

قال

 

حتى لو الدنيا كلها ضغطت

 

قالت

 

هنواجهها

 

ثم قالت

 

بس بشرط

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

ما تشيلش حاجة لوحدك

 

قال

 

وعد

 

قالت

 

وعد

 

وفي طريق عودتها

 

كانت منة تشعر أن شيئًا مهمًا تغير

 

لم تكن الأزمة كبيرة

 

لكنها كانت أول مرة ترى أحمد أمام مسؤولية حقيقية

 

ولم تكن تعرف أن موقفًا بسيطًا كهذا سيجعلها أكثر اطمئنانًا إليه

 

أما أحمد

 

فكان يقود سيارته وهو يفكر في كلامها

 

وأدرك أن الزواج ليس أن يكون الإنسان قادرًا على توفير كل شيء

 

بل أن يكون قادرًا على أن يقول لمن يحب

 

أنا لا أملك كل شيء

 

لكنني لن أتركك تواجهين شيئًا وحدك

 

وفي تلك الليلة

 

اتصل أحمد بمنّة

 

وقال لها

 

أنا كنت محتاج أعرف حاجة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

لو الدنيا بقت أصعب من كده

 

هتفضلي زي ما إنتي

 

قالت

 

وأنت فاكر إني اخترتك عشان الدنيا سهلة

 

قال

 

لا

 

قالت

 

يبقى ليه بتسأل

 

قال

 

عشان أطمن

 

قالت

 

اطمن

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

لأن أنا لو كنت بدور على حياة من غير مشاكل

 

مكنتش هختار الزواج أصلًا

 

قال

 

طب اخترتيني ليه

 

قالت

 

عشان لما المشاكل تيجي

 

أبقى عارفة إن في حد هواجهها معايا

 

سكت أحمد

 

ثم قال

 

أنا بحبك

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

بس المرة دي

 

أنا مش بقولها عشان الرومانسية

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

بقولها عشان أنا حاسس إن الحب الحقيقي بدأ النهارده

 

قالت

 

هو كان موجود

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

بس النهارده كبر

 

وفي تلك اللحظة

 

كان الاثنان يعلمان أن علاقتهما لم تعد مجرد أيام جميلة

 

لقد بدأت تدخل مرحلة أخرى

 

مرحلة ستختبر صبرهما

 

وتكشف معدن كل واحد منهما

 

لكن ما لم يعرفاه بعد

 

أن التأخير الذي حدث في بعض التجهيزات

 

سيفتح أمامهما بابًا لقرار لم يكن في حساباتهما

 

قرار سيجعل موعد الزواج نفسه يحتاج إلى إعادة نظر

 

وسيكون على أحمد ومنة أن يختارا بين أن يستعجلا الوصول إلى الحلم

 

أو أن يصبرا قليلًا

 

حتى يصلَا إليه وهما أكثر اطمئنانًا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *