الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
انطفأت الأنوار بالكامل.
لم يبقَ في الغرفة سوى ضوء أحمر خافت صادر من لوحة الطوارئ.
توقفت مريم في مكانها.
أما آدم فالتفت فورًا نحو الباب.
قال:
“حد يقفل الباب.”
تحرك الدكتور يحيى بسرعة.
لكن قبل أن يصل إليه…
صدر صوت قفل إلكتروني.
ثم ظهر على الشاشة الصغيرة بجوار الباب:
تم إغلاق جميع المخارج.
قالت ليان:
“إحنا اتحبسنا؟”
أجاب الدكتور سامح:
“النظام الأمني دخل وضع الطوارئ.”
قال آدم:
“ولا حد خرج من هنا.”
نظر إليه الدكتور سامح.
“تقصد إيه؟”
قال:
“الملف اختفى، والصورة اختفت، والنور اتقطع في نفس اللحظة.”
ثم نظر إلى نور.
“وحورس اختفى.”
قالت نور:
“هو مش محتاج يهرب.”
سألها آدم:
“ليه؟”
قالت:
“لأنه كان هنا.”
ساد الصمت.
قال الدكتور يحيى:
“مستحيل.”
أجابت نور:
“أنا شفته.”
اقتربت مريم منها.
“فين؟”
أشارت نور إلى طرف الغرفة.
“كان واقف هناك.”
نظر الجميع.
لم يكن هناك أحد.
قال آدم:
“إنتِ متأكدة؟”
“نعم.”
ثم وضعت يدها على رأسها.
“أنا مش بشوفه بعيني.”
“أنا بشوف أثره.”
قال الدكتور سامح:
“يعني إيه؟”
أجابت:
“حورس مش مجرد شخص.”
ثم قالت:
“هو كان يعرف النظام اللي في المكان.”
اقترب الدكتور سامح من جهاز الحاسوب.
فجأة ظهرت شاشة صغيرة.
كانت تعرض تسجيل كاميرات المراقبة.
قال:
“هنعرف مين دخل.”
شغّل التسجيل.
ظهر الممر.
كان فارغًا.
مرت دقيقة.
ثم أخرى.
لا أحد.
قال الدكتور سامح:
“مفيش حد.”
قال آدم:
“شغّل التسجيل الداخلي.”
فعل.
ظهرت الغرفة نفسها.
كانوا جميعًا موجودين.
آدم.
مريم.
ليان.
نور.
الدكتور يحيى.
الدكتور سامح.
لكن…
كان هناك شيء غريب.
في التسجيل، ظهر ظل خلف الدكتور سامح.
ظل إنسان.
اقترب من الخزانة.
فتحها.
أخذ الملف.
ثم اختفى.
لم يتحرك أحد.
قالت ليان:
“إحنا كنا واقفين قدامه.”
قال آدم:
“ومحدش شافه.”
توقف التسجيل.
ثم عاد من البداية.
هذه المرة ظهر الظل بوضوح أكبر.
كان يرتدي ملابس سوداء.
وجهه غير واضح.
لكن يده كانت ظاهرة.
وكان يضع خاتمًا يحمل نفس الرمز الموجود على المومياء.
شهقت نور.
“هو.”
قال آدم:
“حورس؟”
أومأت.
“نعم.”
قال الدكتور سامح:
“لكن ده مستحيل.”
ثم اقترب من الشاشة.
“التسجيل نفسه تم التلاعب به.”
قال آدم:
“يعني إيه؟”
أجاب:
“الشخص اللي دخل هنا كان يعرف النظام.”
ثم أضاف:
“وأوقف الكاميرات للحظات قصيرة جدًا.”
قال الدكتور يحيى:
“قد إيه؟”
نظر إلى الشاشة.
“أقل من ثانية.”
ضحكت ليان بدهشة.
“أقل من ثانية؟”
قال الدكتور سامح:
“كان كافيًا.”
قال آدم:
“يعني قدر يتحرك من مكان لمكان من غير ما نلاحظه.”
قالت نور:
“لأنه كان يعرف بالضبط إمتى ذاكرتنا هتتفاعل.”
نظر إليها آدم.
“إزاي؟”
قالت:
“لما الذاكرة اشتغلت، كل تركيزنا كان على الشاشة.”
ثم قالت:
“هو استغل اللحظة.”
قالت مريم:
“لكن ليه حورس يعرف كل ده؟”
أجاب الدكتور سامح:
“لأنه كان واحدًا من الثلاثة.”
وأشار إلى الصورة القديمة.
“عاصم.”
“سليم.”
“وحورس.”
ثم قال:
“لكن الملف القديم يقول إن حورس اختفى منذ سنوات.”
قال آدم:
“ومين قال إنه اختفى؟”
سكت الدكتور سامح.
ثم قال:
“عاصم.”
قالت نور:
“أبي لم يقل إنه مات.”
نظر إليها الجميع.
“قال إن المنظمة قتلته.”
ثم أضافت:
“لكن ده كان اعتقاد.”
قال آدم:
“يعني حورس كان عايش طول الوقت.”
أجاب الدكتور يحيى:
“على الأغلب.”
قالت ليان:
“طيب هو مع المنظمة؟”
هنا ساد صمت طويل.
قال الدكتور سامح:
“لا نعرف.”
ثم فتح ملفًا إلكترونيًا.
“لكن هناك شيء مهم.”
ظهر اسم حورس.
حورس عبد النور.
قال الدكتور سامح:
“كان متخصصًا في قراءة النقوش والأنظمة القديمة.”
ثم فتح صفحة أخرى.
“وكان أكثر شخص فهم العلاقة بين المومياء والذاكرة.”
قال آدم:
“يعني كان شريكهم.”
أجاب:
“نعم.”
ثم قال:
“لكن قبل اختفائه مباشرة، حدث خلاف بينه وبين عاصم وسليم.”
سألته مريم:
“بسبب إيه؟”
أجاب:
“حورس كان يرى أن الذاكرة يجب أن تُستخدم.”
قال آدم:
“لصالح المنظمة؟”
“لا.”
ثم نظر إليه.
“لصالحه هو.”
تجمد الجميع.
قال الدكتور سامح:
“كان يعتقد أن من يملك ذاكرة الحضارة يستطيع أن يملك معرفة تتجاوز أي دولة أو مؤسسة.”
قالت نور:
“يعني هو كان عايز المومياء لنفسه.”
“نعم.”
قال آدم:
“وعشان كده عاصم خبّاه.”
أجاب الدكتور سامح:
“ربما.”
ثم ظهرت رسالة على الشاشة.
لم يلمسها أحد.
ظهرت وحدها:
“أنتم تبحثون عن حورس…”
ثم اختفت.
وظهرت جملة أخرى:
“لكن حورس يبحث عنكم.”
صرخت ليان:
“إزاي الرسالة دي ظهرت؟”
قال الدكتور سامح:
“الجهاز غير متصل بالإنترنت.”
نظر آدم إلى نور.
قالت:
“هو بيتواصل معانا.”
ثم ظهرت جملة ثالثة:
“المومياء لم تكن الهدف.”
تجمد آدم.
ثم ظهرت الجملة الأخيرة:
“الهدف هو من يحمل ذاكرتها.”
نظر الأربعة إلى بعضهم.
قال آدم:
“إحنا.”
قالت نور:
“نعم.”
فجأة اشتغل ضوء الطوارئ.
وعادت الكهرباء.
لكن عندما نظروا إلى الطاولة…
وجدوا شيئًا جديدًا.
كان هناك ظرف أسود.
لم يكن موجودًا قبل انقطاع الكهرباء.
اقترب آدم.
قال الدكتور يحيى:
“ما تفتحهش.”
لكن آدم فتحه.
في داخله صورة واحدة.
صورة قديمة جدًا.
ظهر فيها عاصم وسليم وحورس.
لكن خلفهم…
كانت مريم.
في عمر أصغر.
تحمل طفلة صغيرة.
نور.
شهقت مريم.
قالت:
“الصورة دي مستحيل.”
نظر آدم إليها.
“ليه؟”
قالت:
“لأنها اتصورت قبل ما أعرف حورس أصلًا.”
قلب آدم الصورة.
كان مكتوبًا خلفها:
“مريم لم تكن تعرف أنها تحمل الجزء الرابع.”
ثم سطر آخر:
“والآن أصبح الجزء الرابع مستيقظًا.”
رفعت مريم رأسها ببطء.
بدأت تشعر بنبض قوي داخل صدرها.
وضعت يدها على قلبها.
قالت:
“أنا…”
ثم سكتت.
بدأت صور جديدة تظهر أمام عينيها.
لكن هذه المرة لم تكن من ذكريات عاصم.
كانت من ذاكرتها هي.
رأت حورس.
رأته يقف أمام عاصم.
وسمعته يقول:
“إذا قسمتم الذاكرة، سيبحثون عن الأطفال.”
ثم رأت عاصم يرد:
“لن يعرفوا أين هم.”
ثم ظهر سليم.
وقال:
“لكن لو اجتمعوا يومًا…”
توقفت الصورة.
فتحت مريم عينيها.
كان وجهها شاحبًا.
قال آدم:
“لو اجتمعوا، إيه؟”
نظرت إليه.
“حورس كان عارف من البداية إننا هنجتمع.”
قالت نور:
“يعني كل اللي حصل…”
أكملت مريم:
“كان جزءًا من خطة.”
وفجأة…
صدر صوت من سماعة المبنى.
صوت رجل هادئ.
قال:
“أخيرًا تذكرتِ يا مريم.”
تجمد الأربعة.
عرفت نور الصوت.
قالت:
“حورس.”
جاء صوته مرة أخرى:
“لا تحاولوا البحث عني.”
ثم توقف.
“أنا سأجدكم.”
وانقطع الصوت.
نظر آدم إلى الباب.
ثم إلى المومياء المحفوظة خلف الزجاج.
وقال:
“من النهارده…”
“إحنا مش اللي بندور على الحقيقة.”
ثم نظر إلى نور وليان ومريم.
“الحقيقة هي اللي بدأت تدور علينا.”
انتظر الجزء القادم
![]()
