الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ساد الصمت داخل الغرفة بعد اختفاء صوت حورس.
لم يعد الأمر مجرد سر قديم.
ولا مجرد مومياء اكتُشفت بعد آلاف السنين.
أصبح واضحًا أن هناك جهة تعرف تحركاتهم، وتعرف مكان المومياء، والأخطر…
أنها تعرف شيئًا عنهم هم أنفسهم.
قال الدكتور سامح بحزم:
“لازم نوقف هنا.”
نظر إليه آدم.
“نوقف إزاي؟”
قال:
“إحنا مش قد اللي بيحصل ده لوحدنا.”
ثم التفت إلى الدكتور يحيى.
“لازم نرفع الأمر فورًا للجهات الرسمية المختصة.”
أضاف:
“ونطلب حماية أمنية للمومياء، وللمكان كله.”
قالت مريم:
“ده أفضل حل.”
لكن ليان قالت:
“ولو المنظمة عندها ناس جوه المؤسسات؟”
نظر إليها الدكتور سامح.
“عشان كده الموضوع مش هيتعامل معاه بشكل عادي.”
ثم قال:
“هيكون في دائرة محدودة جدًا من المسؤولين اللي يعرفوا التفاصيل.”
وأضاف:
“وكل إجراء هيتم توثيقه.”
أخرج هاتفه.
اتصل بأحد المسؤولين.
قال باختصار:
“لدينا اكتشاف أثري استثنائي، وهناك تهديد أمني مباشر مرتبط به.”
سكت يستمع.
ثم قال:
“نحتاج تأمينًا رسميًا للموقع والمومياء فورًا.”
أنهى المكالمة.
وبعد دقائق…
بدأ المكان يتغير.
أفراد أمن إضافيون دخلوا المبنى.
تم تأمين الممرات.
وأُغلقت المناطق غير الضرورية.
وتم نقل المومياء إلى غرفة حفظ مؤمنة ومجهزة وفق الإجراءات الأثرية.
لم يسمح لأحد بالاقتراب منها إلا المختصين.
قال الدكتور سامح:
“من اللحظة دي، المومياء مش هتتحرك.”
ثم نظر إلى آدم.
“ومش هتكون معاكم.”
أومأ آدم.
“ده الصح.”
قالت نور:
“بس الحقيقة اللي جوه الذاكرة لسه معانا.”
أجاب:
“وده بالضبط اللي هنشتغل عليه.”
بعد وقت قصير…
اجتمع الأربعة مع الدكتور سامح والدكتور يحيى في غرفة صغيرة بعيدة عن غرفة الحفظ.
وُضعت أمامهم الملفات التي استطاعوا الاحتفاظ بها.
لكن ملف عاصم الأصلي كان قد اختفى.
قال الدكتور سامح:
“الحماية هتفضل مستمرة.”
ثم أضاف:
“والجيش والجهات الأمنية المختصة هتتعامل مع أي محاولة للاقتراب من المومياء.”
قال آدم:
“وإحنا؟”
أجابه:
“أنتم هتخرجوا من هنا.”
نظر إليه آدم باستغراب.
“نخرج؟”
“نعم.”
قال:
“المومياء أصبحت في مكان آمن.”
ثم أشار إلى الملفات.
“لكن أنتم الأربعة تحملون شيئًا لا نستطيع أن نحفظه داخل خزنة.”
نظر إلى نور.
“الذاكرة.”
ثم إلى مريم.
“والجزء الذي بدأ يظهر عندك.”
ثم إلى آدم وليان.
“والأجزاء الموجودة عندكما.”
قالت ليان:
“يعني نكمل إحنا البحث.”
قال الدكتور يحيى:
“بالضبط.”
ثم قال:
“لكن مش وحدكم.”
سأل آدم:
“إيه أول حاجة؟”
وضع الدكتور سامح صورة الرجل الثالث أمامهم.
حورس عبد النور.
قال:
“نعرف عنه بعض المعلومات، لكننا لا نعرف أين ذهب بعد اختفائه.”
قالت نور:
“أنا ممكن أعرف.”
نظروا إليها.
قالت:
“لو الذاكرة اشتغلت مرة ثانية.”
قالت مريم:
“لكن مش كل مرة الذاكرة بتفتح وقت ما نريد.”
أجابتها نور:
“أنا عارفة.”
ثم قالت:
“لكن ممكن يكون فيه مكان معين بيحفزها.”
سأل آدم:
“مكان إيه؟”
أجابت:
“المعبد اللي ظهر في الصورة.”
وضع الدكتور يحيى الخريطة أمامهم.
كان هناك موقع محدد.
قال:
“هذا المكان يقع في منطقة أثرية معروفة.”
قالت ليان:
“وهناك هنلاقي الحقيقة؟”
أجاب الدكتور سامح:
“ربما جزءًا منها.”
ثم قال:
“لكن قبل أن تذهبوا، هناك شيء لازم تعرفوه.”
فتح ملفًا آخر.
كان يحتوي على تقارير قديمة.
“حورس اختفى من السجلات الرسمية منذ سنوات.”
ثم أضاف:
“لكن قبل اختفائه، كان قد طلب الوصول إلى موقع أثري واحد أكثر من أي مكان آخر.”
قلب الصفحة.
ظهر اسم الموقع.
حدقت نور فيه.
وفجأة وضعت يدها على رأسها.
قالت:
“أنا أعرفه.”
اقترب آدم.
“شفتيه؟”
أومأت.
“كان أبي واقف هناك.”
قالت مريم:
“وعاصم كان معه؟”
“نعم.”
“وسليم؟”
سكتت نور.
ثم قالت:
“لا.”
قال آدم:
“يعني كان عاصم وحورس فقط؟”
هزت رأسها.
“كان فيه شخص ثالث.”
سألها:
“مين؟”
قالت:
“مش قادره أشوف وجهه.”
ثم أضافت:
“لكن أبي كان خائفًا منه.”
ساد الصمت.
قال الدكتور سامح:
“إذن هذا الموقع هو الخطوة التالية.”
خرج الأربعة من المبنى.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب.
توقف آدم للحظة أمام الباب.
نظر إلى المبنى الذي بقيت فيه المومياء.
قال:
“غريب.”
قالت ليان:
“إيه؟”
“أول مرة من فترة أحس إننا سايبين حاجة وراينا وهي في أمان.”
ابتسمت نور.
“لكن مش معنى كده إن الخطر انتهى.”
قالت مريم:
“بالعكس.”
ثم نظرت إلى الطريق.
“يمكن دلوقتي يبدأ الجزء الأصعب.”
دخل الأربعة السيارة.
تحركوا بعيدًا عن المكان.
لكنهم لم يكونوا يعرفون أن هناك سيارة أخرى تتحرك خلفهم.
كانت بعيدة.
ولا تقترب.
ولا تبتعد.
فقط تتابع.
قال آدم:
“حاسس إن في حد وراينا.”
نظرت ليان من المرآة.
“العربية السوداء؟”
أومأ.
“من وقت ما خرجنا.”
قالت مريم:
“ممكن تكون حماية.”
قال آدم:
“ممكن.”
لكن نور كانت تنظر إلى الخلف.
ثم قالت:
“مش حماية.”
سألها:
“عرفتي منين؟”
قالت:
“لأنها ظهرت في ذاكرتي.”
توقف آدم لحظة عن الكلام.
قال:
“العربية؟”
أومأت.
“نفسها.”
ثم أضافت:
“كنت شايفاها خلف أبي.”
قالت مريم:
“إمتى؟”
أجابت نور:
“في آخر يوم شفته فيه.”
نظر الأربعة إلى بعضهم.
قال آدم:
“إذن اللي وراينا دلوقتي…”
أجابت نور:
“كان موجودًا قبلنا.”
ثم أخرجت من جيبها الورقة التي وجدتها في بيت أمينة.
كانت قد احتفظت بها.
قلبتها.
وجدت شيئًا لم تلاحظه من قبل.
رقمًا مكتوبًا بخط صغير.
قالت:
“ده مش عنوان.”
سأل آدم:
“إذن إيه؟”
قالت:
“تاريخ.”
قرأه آدم.
ثم تغير وجهه.
كان التاريخ هو اليوم الذي مات فيه عاصم.
قالت مريم:
“مستحيل.”
لكن نور قلبت الورقة مرة أخرى.
ظهر سطر جديد لم يكن موجودًا قبل ذلك:
“في يوم موت عاصم، بدأ الطريق.”
ثم ظهر سطر آخر:
“وفي يوم اجتماع الأجزاء الأربعة… سيعود حورس.”
رفع آدم عينيه.
وقال:
“يبقى لازم نوصل للمعبد قبل ما يوصل لنا.”
ضغط على دواسة الوقود.
وانطلقت السيارة في الطريق.
وخلفهم…
ظلت السيارة السوداء تلاحقهم.
لكن هذه المرة…
لم يكن بداخلها شخص واحد.
كان هناك رجل يجلس في المقعد الخلفي.
وفي يده صورة قديمة لعاصم.
قلبها.
ثم قال بهدوء:
“هم خرجوا من عند المومياء.”
جاءه صوت من الهاتف:
“والخطوة التالية؟”
نظر الرجل إلى صورة المعبد.
وقال:
“نتركهم يذهبون إليه.”
ثم ابتسم.
“لأنهم سيقودوننا بأنفسهم إلى المكان الذي نبحث عنه.”
انتظر الجزء القادم
![]()
