الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن أحد من الأربعة يعرف أن السيارة السوداء التي تلاحقهم لم تكن مجرد وسيلة مراقبة.
كانت تعرف إلى أين يتجهون.
وكان الرجل الجالس في المقعد الخلفي يعرف شيئًا أخطر من ذلك بكثير.
كان يعرف أن الطريق إلى المعبد هو الطريق الذي يبحث عنه منذ سنوات.
وفي السيارة الأخرى، ظل آدم يقود دون أن يتحدث.
كانت عيناه تراقبان الطريق، بينما كانت ليان تتابع المرآة باستمرار.
قالت:
“لسه وراينا.”
أجاب آدم:
“عارف.”
قالت مريم:
“ممكن نغير الطريق.”
هز رأسه.
“لو غيرناه هنأكد لهم إننا اكتشفناهم.”
نظرت إليه نور.
“إذن أنت عايزهم يفضلوا وراينا؟”
قال:
“بالضبط.”
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“أنت بدأت تفكر زي أبي.”
نظر إليها آدم.
“مش عارف دي حاجة كويسة ولا لأ.”
قالت:
“كانت.”
ثم اختفت ابتسامتها.
“لحد ما مات.”
ساد الصمت.
—
بعد فترة طويلة من السير، بدأت المنطقة تتغير.
اختفت المباني تدريجيًا.
وأصبح الطريق أكثر هدوءًا.
قالت ليان:
“وصلنا؟”
نظر آدم إلى الخريطة.
“لسه شوية.”
لكن نور كانت تنظر إلى النافذة.
ثم قالت:
“لا.”
توقف آدم عن الكلام.
“إيه؟”
قالت:
“المكان ده أنا شفته.”
سألها:
“فين؟”
أشارت إلى منطقة صحراوية بعيدة.
“هنا.”
قالت مريم:
“إنتِ متأكدة؟”
أومأت.
“أبي كان بيمشي في نفس الطريق.”
ثم وضعت يدها على رأسها.
بدأت الذكريات تتحرك.
رأت عاصم يسير ليلًا.
وخلفه حورس.
وكان هناك رجل ثالث.
لكن هذه المرة…
ظهر وجهه بوضوح للحظات.
فتحت نور عينيها فجأة.
قال آدم:
“مين؟”
لم تجب.
قالت:
“سليم.”
تجمدت مريم.
“إيه؟”
قالت نور:
“أبي كان مع حورس وسليم.”
ثم أضافت:
“لكنهم لم يكونوا يبحثون عن المومياء.”
سأل آدم:
“كانوا بيدوروا على إيه؟”
أجابت:
“على المكان اللي المومياء أخفت منه الذاكرة الأصلية.”
قالت ليان:
“يعني المومياء نفسها مش المصدر الأول؟”
أومأت نور.
“المومياء كانت الحافظة.”
ثم قالت:
“لكن الأصل…”
توقفت.
“كان في مكان آخر.”
نظر آدم إلى مريم.
قالت:
“إذن إحنا رايحين للمعبد غلط.”
قالت نور:
“لا.”
ثم ابتسمت.
“المعبد هو المكان اللي خبّوا فيه الطريق.”
—
وصلوا إلى الموقع قبل غروب الشمس بقليل.
كان المعبد قديمًا، تحيط به الرمال من عدة جهات.
لم يكن هناك أي شخص.
أوقف آدم السيارة.
نزل الأربعة.
وفي اللحظة التي وضعت فيها نور قدمها على الأرض…
توقفت.
قالت:
“هنا.”
اقترب آدم.
“إيه اللي حصل؟”
قالت:
“الذاكرة.”
ثم أغلقت عينيها.
رأت عاصم يدخل المعبد.
كان يحمل صندوقًا صغيرًا.
وخلفه سليم.
ثم ظهر حورس.
قال حورس:
“لو قسمنا الذاكرة، سنحميها.”
أجاب عاصم:
“لكن الأطفال؟”
قال سليم:
“لن يعرف أحد مكانهم.”
ثم قال حورس:
“وهناك شرط.”
نظر إليه عاصم.
“ما هو؟”
أجاب:
“لا يجتمع الأربعة.”
انقطعت الرؤية.
فتحت نور عينيها.
قالت:
“ده المكان.”
سأل آدم:
“إيه اللي حصل هنا؟”
قالت:
“أبي وحورس وسليم اتفقوا إن الأجزاء الأربعة ما تجتمعش إلا بعد ما ينتهي الخطر.”
قالت مريم:
“لكن إحنا اجتمعنا.”
أجابتها:
“وده معناه إن الخطر لم ينتهِ.”
—
دخل الأربعة المعبد.
كان المكان مظلمًا.
أشعل آدم مصباحًا صغيرًا.
بدأوا يبحثون بين الجدران.
قالت ليان:
“إحنا بندور على إيه بالضبط؟”
قالت مريم:
“أي حاجة تركها عاصم.”
اقتربت نور من أحد الجدران.
وضعت يدها عليه.
فجأة…
سمعوا صوتًا خافتًا.
نبضة واحدة.
ثم نبضة ثانية.
قال آدم:
“سمعتوا؟”
أومأت ليان.
بدأ الجدار يهتز.
ظهر خط رفيع.
ثم انفتح جزء منه.
خلفه صندوق حجري صغير.
قالت مريم:
“افتحه.”
رفع آدم الغطاء.
وجدوا بداخله ثلاث قطع.
ورقة.
خاتم.
وحجر صغير يحمل نفس الرمز الموجود على المومياء.
أخذت نور الورقة.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط عاصم.
قرأت:
“إذا وصلتم إلى هنا، فقد فشلنا في إبقاء الأجزاء منفصلة.”
نظر آدم إليها.
أكملت:
“لا تبحثوا عن الذاكرة الأصلية.”
توقفت.
قالت ليان:
“ليه؟”
قلبت نور الورقة.
ظهر سطر آخر:
“لأن من يجدها يستطيع أن يفتح كل ذاكرة تم حفظها عبر القرون.”
تغير وجه آدم.
قال:
“كل ذاكرة؟”
أومأت.
ثم ظهر سطر أخير:
“وإذا فتحها حورس، فلن يبحث عن حكم العالم…”
توقفت نور.
قالت مريم:
“كملي.”
قرأت:
“بل سيجعل العالم كله يتذكر ما يريد هو أن يتذكره.”
ساد صمت ثقيل.
قالت ليان:
“يعني يقدر يغير ذاكرة الناس؟”
قالت مريم:
“لو الكلام ده صحيح…”
أكمل آدم:
“فهو يقدر يغير التاريخ نفسه.”
فجأة…
سمعوا صوتًا خلفهم.
تصفيقًا بطيئًا.
التفت الأربعة.
كان هناك رجل يقف عند مدخل المعبد.
لم يقترب.
لم يخفِ وجهه.
قال:
“أحسنتم.”
تجمدت نور.
همست:
“حورس.”
ابتسم الرجل.
“أخيرًا قابلتكم.”
تقدم آدم خطوة.
“إنت اللي سرقت ملف أبي؟”
قال حورس:
“نعم.”
“وإنت اللي كنت بتراقبنا؟”
“نعم.”
قال آدم:
“إذن ليه سيبتنا نوصل هنا؟”
ضحك حورس.
“لأنني لم أترككم تصلون.”
ثم نظر إلى نور.
“هي التي قادتكم.”
قالت نور:
“إنت عايز إيه؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“أريد الشيء الذي وضعه أبيك في داخلك.”
تدخلت مريم:
“مش هتاخده.”
نظر إليها.
وفجأة تغير وجهه.
“وأنتِ…”
سكت.
ثم قال:
“أنتِ أخطر واحدة فيهم.”
ارتجفت مريم.
“ليه؟”
أجاب:
“لأن الجزء الذي وضعوه فيك لم يكن مجرد جزء من الذاكرة.”
اقترب خطوة.
“كان مفتاحًا.”
سأله آدم:
“مفتاح لإيه؟”
ابتسم حورس.
ثم قال:
“للوصول إلى الذاكرة الأصلية.”
وفجأة…
سمعوا أصوات سيارات تتوقف خارج المعبد.
نظر حورس نحو المدخل.
ثم قال بهدوء:
“يبدو أن ضيوفنا وصلوا.”
قالت ليان:
“المنظمة؟”
أجاب حورس:
“هذه المرة…”
ثم نظر إلى الأربعة.
“هم لا يريدون المومياء.”
“إنهم يريدونكم أنتم.”
ثم تراجع خطوة إلى الظلام.
وقبل أن يختفي قال:
“ولو أردتم معرفة لماذا اختاركم عاصم وسليم وليان وُلدت بعد آدم مباشرة…”
توقفت أنفاس ليان.
أكمل:
“فابحثوا عن الغرفة التي لم يدخلها أحد منذ موت عاصم.”
ثم اختفى.
نظر آدم إلى نور.
قالت:
“الغرفة…”
ثم بدأت ذاكرتها تتحرك بعنف.
وفجأة قالت:
“أنا أعرف مكانها.”
لكن أصوات الأقدام بدأت تقترب من داخل المعبد.
انتظر الجزء القادم
![]()
