...
IMG 20260914 WA0029

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

صرخة مريم أوقفت الأربعة في مكانهم.

 

كان الضوء الأبيض يخرج من الفتحة الموجودة أسفل الأرض، لكنه لم يكن ضوءًا عاديًا.

 

كان يتحرك.

 

كأنه ينبض.

 

مرة…

 

ثم مرة أخرى.

 

قال آدم:

 

“مريم، إنتِ شوفتي إيه؟”

 

لم تجبه.

 

كانت تحدق داخل الفتحة وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد غيرها.

 

قالت بصوت خافت:

 

“مش غرفة.”

 

اقتربت ليان.

 

“أمال إيه؟”

 

قالت مريم:

 

“ده مش مكان معمول علشان الناس تدخله.”

 

ثم نظرت إلى نور.

 

“ده مكان معمول علشان الذاكرة تعيش.”

 

اقترب آدم أكثر.

 

لكن نور أمسكت بذراعه.

 

“استنى.”

 

قال:

 

“ليه؟”

 

أجابته:

 

“عشان لسه مش عارفين الباب ده بيعمل إيه.”

 

ثم وضعت يدها على رأسها.

 

بدأت ذاكرتها تتحرك بعنف.

 

رأت مشاهد متقطعة.

 

صحراء قديمة.

 

رجالًا يحملون مشاعل.

 

معبدًا مختلفًا عن المعبد الذي يقفون بداخله.

 

وفي وسطه رجل مصري قديم يجلس أمام صندوق حجري.

 

كان يكتب شيئًا.

 

ثم سمعته يقول:

 

“المعرفة لا تموت إذا مات صاحبها.”

 

ثم ظهر رجل آخر.

 

كان يحمل طفلًا صغيرًا.

 

اقترب منه ووضع يده على رأسه.

 

قال:

 

“إذا عجزنا عن حملها نحن…”

 

ثم نظر إلى الطفل.

 

“سيحملها من يأتي بعدنا.”

 

انقطعت الرؤية فجأة.

 

فتحت نور عينيها.

 

قال آدم:

 

“شفتي إيه؟”

 

قالت:

 

“أول شخص حمل الذاكرة.”

 

سألت ليان:

 

“مين؟”

 

أجابت:

 

“مش عارفة.”

 

ثم نظرت إلى مريم.

 

“لكن مريم ممكن تعرف.”

 

قالت مريم:

 

“ليه أنا؟”

 

“لأنك بتحملي ذاكرة البداية.”

 

وضعت مريم يدها على الباب الحجري.

 

وفورًا…

 

تغير الضوء.

 

تحول من الأبيض إلى لون ذهبي خافت.

 

ظهرت كتابة على الجدار.

 

اقترب آدم.

 

كانت الكتابة بالهيروغليفية.

 

قال:

 

“حد يعرف يقراها؟”

 

قالت مريم:

 

“أنا.”

 

بدأت تقرأ ببطء.

 

ثم توقفت.

 

قال آدم:

 

“بتقول إيه؟”

 

قالت:

 

“بتتكلم عن طفل.”

 

“أي طفل؟”

 

هزت رأسها.

 

“طفل وُلد وهو يحمل معرفة شخص مات.”

 

قالت ليان:

 

“يعني المومياء؟”

 

“لا.”

 

ثم أضافت:

 

“ده كان قبل المومياء.”

 

سأل آدم:

 

“قبلها بقد إيه؟”

 

قالت:

 

“آلاف السنين.”

 

ثم تابعت القراءة.

 

تغير وجهها.

 

“المصري القديم كان عنده اعتقاد إن المعرفة ممكن تنتقل.”

 

قالت نور:

 

“زي اللي حصل معانا.”

 

أومأت مريم.

 

“لكن الطريقة كانت مختلفة.”

 

سأل آدم:

 

“إزاي؟”

 

أجابت:

 

“كانوا بيحفظوا جزءًا من المعرفة في جسد شخص واحد، وبعد موته يحاولوا نقلها إلى شخص آخر.”

 

قالت ليان:

 

“يعني المومياء اللي عندنا…”

 

أكملت مريم:

 

“كانت آخر حلقة في سلسلة طويلة.”

 

ساد الصمت.

 

قال آدم:

 

“يبقى اللي المنظمة بتدور عليه مش المومياء.”

 

أجابته مريم:

 

“لا.”

 

ثم نظرت إلى الباب.

 

“هما بيدوروا على أصل الطريقة.”

 

 

 

في الخارج…

 

كانت السيارات التي وصلت إلى المعبد قد توقفت.

 

خرج منها عدد من الرجال.

 

كانوا يتحركون بحذر.

 

لكن أحدهم رفع هاتفه.

 

قال:

 

“المعبد مؤمّن.”

 

جاءه صوت من الطرف الآخر:

 

“والأربعة؟”

 

أجاب:

 

“دخلوا.”

 

“وحورس؟”

 

تردد الرجل.

 

“مش موجود.”

 

جاء الرد:

 

“إذن لا تلمسوهم.”

 

قال الرجل:

 

“لكن الهدف هو—”

 

قاطعه الصوت:

 

“قلت لا تلمسوهم.”

 

ثم أضاف:

 

“نحن نحتاجهم أحياء.”

 

 

 

في الداخل…

 

لم يكن الأربعة يعرفون ما يحدث بالخارج.

 

كان كل تركيزهم على الباب.

 

قال آدم:

 

“لازم نعرف إيه اللي موجود تحتنا.”

 

قالت ليان:

 

“بس المكتوب قال إن واحد فينا ممكن يفقد جزء من ذاكرته.”

 

قال آدم:

 

“وممكن يكون ده التحذير الوحيد اللي عندنا.”

 

قالت نور:

 

“أو يكون اختبار.”

 

نظر إليها.

 

“اختبار لإيه؟”

 

أجابته:

 

“علشان نعرف مين فينا يقدر يكمل.”

 

قالت مريم:

 

“لا.”

 

نظروا إليها.

 

قالت:

 

“الذاكرة مش هتختار واحد.”

 

ثم أشارت إلى التجاويف الأربعة.

 

“هي مصممة لينا كلنا.”

 

قال آدم:

 

“يعني لازم نفتحها مع بعض.”

 

أومأت.

 

“بالضبط.”

 

وضع الأربعة أيديهم مرة أخرى.

 

هذه المرة…

 

لم يتحرك الباب.

 

بدلًا من ذلك، ظهرت أربعة مشاهد في الضوء.

 

الأول لآدم.

 

رأى أبًا لم يعرفه.

 

والثاني لليان.

 

رأت أمها سلمى وهي تحملها طفلة.

 

والثالث لنور.

 

رأت عاصم للمرة الأخيرة.

 

أما الرابع…

 

فكان لمريم.

 

رأت نفسها.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

كان معها رجل لم تتوقع أن تراه.

 

عاصم.

 

قالت مريم:

 

“ده مستحيل.”

 

اقتربت من الصورة.

 

كان عاصم ينظر إليها.

 

وقال:

 

“لو رأيتِ هذا المشهد، فمعنى ذلك أنني مت.”

 

ارتجفت مريم.

 

“إزاي؟”

 

تابع عاصم:

 

“أنا لم أضع هذا التسجيل.”

 

نظر إليها.

 

“أنا وضعت ذكرى.”

 

ثم قال:

 

“هناك فرق.”

 

قال آدم:

 

“إيه الفرق؟”

 

لكن عاصم لم يكن يخاطبه.

 

كان يخاطب مريم وحدها.

 

“مريم…”

 

ثم قال:

 

“أنتِ الوحيدة التي تعرفين أين بدأ كل شيء.”

 

توقفت الصورة.

 

ثم ظهرت جملة:

 

“ابحثي عن الاسم الذي لم يخبرك به سليم.”

 

اختفت الصورة.

 

قالت مريم:

 

“اسم؟”

 

سألها آدم:

 

“اسم مين؟”

 

هزت رأسها.

 

“مش عارفة.”

 

لكن نور كانت تنظر إليها.

 

قالت:

 

“أنا شفت الاسم.”

 

“إيه هو؟”

 

قالت نور:

 

“أوزير.”

 

تجمدت مريم.

 

قالت:

 

“أوزير؟”

 

أجابت نور:

 

“نعم.”

 

ثم بدأت ذاكرتها تشتغل مرة أخرى.

 

ظهر سليم.

 

كان يتحدث مع عاصم.

 

قال سليم:

 

“لو عرفت مريم الحقيقة عن أوزير، كل شيء هينهار.”

 

سأله عاصم:

 

“وليه؟”

 

أجاب سليم:

 

“لأن أوزير مش اسم شخص.”

 

انقطعت الرؤية.

 

صرخت نور:

 

“مش اسم شخص!”

 

قال آدم:

 

“أمال إيه؟”

 

نظرت نور إلى الباب الحجري.

 

ثم قالت:

 

“مكان.”

 

سأل آدم:

 

“فين؟”

 

أجابت:

 

“تحت المعبد.”

 

في اللحظة نفسها…

 

اهتز الباب.

 

وانفتح بالكامل.

 

ظهر درج حجري ينزل إلى الأسفل.

 

لكن قبل أن يخطوا أول خطوة…

 

سمعوا صوتًا من خلفهم.

 

هذه المرة لم يكن صوت حورس.

 

كان صوت رجل آخر.

 

قال:

 

“أخيرًا فتحتم الباب.”

 

استدار الأربعة.

 

كان رجل يقف عند مدخل الغرفة.

 

وجهه لم يكن مألوفًا لهم.

 

لكن مريم عرفته فورًا.

 

تراجعت خطوة.

 

وقالت:

 

“أنت…”

 

ابتسم الرجل.

 

ثم قال:

 

“أنا آخر شخص تحدث معه عاصم قبل موته.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

أُغلق الباب الحجري خلف الأربعة.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *