ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260917 WA0025

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

هناك نوع من الألم لا يصرخ.

 

لا يطلب النجدة.

 

لا يمد يده لأحد.

 

بل يبتسم صاحبه، ويقول للجميع: «أنا بخير»، بينما هو من الداخل ينهار قطعةً بعد قطعة.

 

وهناك أشخاص اعتادوا أن يحملوا كل شيء وحدهم، ليس لأنهم أقوى من الجميع، وإنما لأنهم تربوا على أن طلب المساعدة ضعف، وأن الشكوى عيب، وأن الاعتراف بعدم القدرة على الاستمرار يعني أنك فشلت.

 

وهنا تبدأ المشكلة.

 

أن يتحول الإنسان من شخص يحتاج إلى المساندة في لحظة عابرة، إلى شخص يخاف أصلًا من أن يقول: أنا محتاجك.

 

وقد يكون الإنسان في أزمة مالية، لكنه لا يطلب المساعدة.

 

وقد يمر بمشكلة أسرية، لكنه يفضل الصمت.

 

وقد يواجه ضغطًا شديدًا في عمله أو دراسته، لكنه يواصل التظاهر بأنه قادر على كل شيء.

 

وقد يحمل في قلبه حزنًا كبيرًا، لكنه يخشى أن يتحدث حتى لا يقال عنه ضعيف.

 

وهكذا يصبح الإنسان سجينًا داخل صورة صنعها بنفسه: صورة الشخص القوي الذي لا يحتاج أحدًا.

 

لكن الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوح هي أن القوة ليست أن تتحمل كل شيء وحدك.

 

القوة الحقيقية أن تعرف متى تستطيع أن تواجه وحدك، ومتى تحتاج إلى شخص تثق به، ومتى يكون طلب المساعدة هو القرار الأكثر عقلًا ومسؤولية.

 

فالإنسان مهما كان قويًا له حدود.

 

والإنسان مهما كان صبورًا يمكن أن يتعب.

 

والإنسان مهما كان قادرًا على التحمل قد تأتي عليه لحظة يحتاج فيها إلى يد تمتد إليه.

 

وهذا ليس عيبًا.

 

العيب أن يعرف الإنسان أنه يغرق، ثم يرفض أن يمد يده لمن يستطيع إنقاذه بسبب خوفه من كلام الناس.

 

وقد ساهمت بعض الأفكار الاجتماعية الخاطئة في تكريس هذه المشكلة.

 

نقول للطفل منذ الصغر: «أنت لازم تكون راجل وما تشتكيش».

 

ونقول للفتاة: «استحملي، الناس هتتكلم».

 

ونقول للشخص الذي يعاني: «غيرك عنده مشاكل أكبر».

 

فنحن لا نحل المشكلة بهذه الطريقة، وإنما نعلم الإنسان أن يخفي ألمه.

 

والألم الذي يتم إخفاؤه لا يختفي.

 

قد يتحول إلى غضب.

 

أو عزلة.

 

أو فقدان ثقة.

 

أو قرارات خاطئة.

 

وقد يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها طلب المساعدة أصعب بكثير من مواجهة المشكلة نفسها.

 

والأخطر أن بعض الناس لا يطلبون المساعدة لأنهم جُرحوا سابقًا عندما طلبوها.

 

ربما تحدثوا إلى شخص وثقوا به، فاستخدم كلامهم ضدهم.

 

وربما اعترفوا بمشكلة، فقوبلوا بالسخرية.

 

وربما طلبوا مساعدة، فقيل لهم بعد ذلك: «أنا عملت لك كذا وكذا».

 

فتعلموا درسًا قاسيًا:

 

لا تتحدث.

 

لا تطلب.

 

لا تثق.

 

احمل كل شيء وحدك.

 

لكن لا ينبغي أن تكون تجربة سيئة مع شخص واحد سببًا في إغلاق كل الأبواب أمام الناس.

 

المطلوب هو أن نتعلم من نطلب منه المساعدة، وكيف نطلبها، ومتى نطلبها.

 

فليس كل شخص مؤهلًا لسماع أسرارك، وليس كل شخص قادرًا على حل مشكلتك.

 

لكن في المقابل، هناك أب، أو أم، أو أخ، أو صديق ناضج، أو شخص متخصص، قد يكون وجوده في الوقت المناسب سببًا في تغيير مسار حياة كاملة.

 

ومن الأخطاء الكبيرة أيضًا أن نعتقد أن مساعدة الآخرين تعني أن يقوموا بحل حياتنا بدلًا منا.

 

لا.

 

طلب المساعدة لا يعني أن تتخلى عن مسؤوليتك.

 

بل يعني أن تقول:

 

أنا سأواجه مشكلتي، لكنني لا أريد أن أواجهها وحدي.

 

وهذا فرق كبير.

 

إذا كنت مريضًا، تطلب مساعدة الطبيب.

 

إذا كنت تواجه مشكلة قانونية، تستشير المختص.

 

إذا كنت تعاني من مشكلة دراسية، تطلب المساعدة ممن لديه خبرة.

 

إذا كنت تمر بأزمة مالية، تبحث عن حلول واقعية وتستعين بمن تثق به.

 

وإذا كان الحمل النفسي أكبر من قدرتك على التعامل معه، فالاستعانة بمتخصص ليست ضعفًا، بل تصرف مسؤول.

 

إن المجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخفي أفراده مشاكلهم، وإنما المجتمع الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقول: أحتاج إلى المساعدة دون أن يشعر أنه فقد كرامته.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن يتوقف الإنسان عن اعتبار طلب المساعدة اعترافًا بالفشل، وأن يراه وسيلة للوصول إلى الحل.

 

أن يختار الشخص الشخص المناسب الذي يطلب منه المساعدة، فلا يفتح حياته أمام كل من يبتسم له.

 

أن يتعلم الإنسان التعبير عن احتياجه بوضوح بدلًا من انتظار الآخرين حتى يكتشفوا ما بداخله.

 

أن يتوقف الآباء عن تربية أبنائهم على كتمان كل شيء، وأن يعلموهم أن القوة لا تتعارض مع طلب الدعم.

 

أن نحترم الشخص الذي يطلب المساعدة، وألا نحول اعترافه بضعفه إلى مادة للسخرية أو التعيير.

 

أن يتعلم الإنسان أن المساعدة ليست دائمًا مالًا؛ قد تكون نصيحة، أو معلومة، أو وقتًا، أو موقفًا، أو مجرد شخص يسمعك.

 

أن يطلب الإنسان المساعدة مبكرًا، قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة.

 

وأن يتعلم أيضًا أن يقدم المساعدة دون أن يجعل الطرف الآخر يشعر بالدونية أو المنة.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

 

سورة المائدة الآية 2

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ﴾

 

والتعاون في الإسلام لا يقوم على احتقار المحتاج، وإنما على الرحمة والتكافل ومساندة الإنسان لأخيه.

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه »

 

رواه مسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته »

 

رواه البخاري ومسلم

 

فالإسلام لا يجعل الإنسان يعيش وحده، ولا يعتبر احتياج الإنسان إلى أخيه عيبًا، بل يجعل مساعدة الناس بابًا عظيمًا من أبواب الخير.

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« احْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهَكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ »

 

رسالة غلاطية 6 : 2

 

وجاء أيضًا

 

« شَاجِعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ، تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ »

 

رسالة تسالونيكي الأولى 5 : 14

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى الرحمة والتعاون ومساندة الإنسان وقت ضعفه، وأن المجتمع لا يقوم على أن يحمل كل شخص أعباءه وحده، وإنما على أن يجد الإنسان من يقف إلى جواره عندما يحتاج.

 

والفكرة المشتركة هنا عميقة جدًا:

 

الإنسان ليس آلة.

 

ليس مطلوبًا منه أن يكون قويًا طوال الوقت.

 

وليس عيبًا أن يتعب.

 

وليس عيبًا أن يقول: أحتاج إلى من يساعدني.

 

بل إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الكبرياء أو الخوف من كلام الناس إلى حاجز يمنع الإنسان من الوصول إلى الحل.

 

في النهاية

 

إذا كنت تمر بمشكلة الآن، فلا تنتظر حتى تصبح حياتك كلها مشكلة واحدة.

 

تكلم.

 

اطلب النصيحة.

 

استعن بمن تثق به.

 

اذهب إلى المختص عندما تحتاج إلى ذلك.

 

ولا تسمح لجملة «أنا لازم أتحمل لوحدي» أن تدفعك إلى طريق لا تستطيع العودة منه بسهولة.

 

وإذا جاءك شخص يطلب مساعدتك، فلا تستغل ضعفه.

 

لا تذكره كل يوم بما فعلته من أجله.

 

لا تحوله إلى شخص مدين لك طوال حياته.

 

ساعده لأنه إنسان، ولأنك تتمنى أن تجد من يساعدك إذا دارت الأيام.

 

وتذكر دائمًا أن الحياة تتغير.

 

اليوم قد تكون أنت الذي تمتد يده بالمساعدة، وغدًا قد تكون أنت الذي يحتاج إلى يد تمتد إليه.

 

فلا تكسر يدًا طلبت منك العون.

 

ولا تسخر من قلب قرر أخيرًا أن يتكلم.

 

ولا تجعل إنسانًا نادمًا لأنه وثق بك.

 

فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يحل مشكلته، بقدر ما يحتاج إلى شخص يقول له:

 

«أنا معك… دعنا نبحث عن الحل معًا.»

 

وهذه الجملة البسيطة قد تكون في لحظة معينة أقوى من ألف نصيحة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *