بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
هناك أناس لا يخجلون من أخطائهم بقدر ما يخجلون من فقرهم.
يخافون أن يعرف الآخرون أنهم لا يستطيعون شراء ما يشتريه غيرهم، أو أنهم يعيشون في منزل بسيط، أو أن ملابسهم ليست باهظة الثمن، أو أن دخلهم لا يسمح لهم بأن يعيشوا بالصورة التي يحاول المجتمع أحيانًا أن يفرضها عليهم.
وهنا نحن أمام مشكلة ليست في الفقر نفسه، وإنما في نظرة المجتمع إلى الفقر.
فالفقر ظرف، وليس جريمة.
وضيق الحال مرحلة قد يعيشها الإنسان، وليس تعريفًا لقيمته.
لكن عندما يصبح الإنسان محاصرًا بنظرات المقارنة والسخرية، يبدأ في الشعور بأن ما ينقص جيبه ينقص من كرامته أيضًا.
وهذا أخطر ما يمكن أن نزرعه في إنسان.
أن نجعله يعتقد أن قيمته مرتبطة بما يرتديه، أو بما يركبه، أو بحجم منزله، أو بالمكان الذي يستطيع الذهاب إليه.
لقد أصبحت بعض المجتمعات تقيس الإنسان بما يملك بدلًا من أن تقيسه بما يقدم.
قد يدخل شخص إلى مكان بسيارته فيحصل على احترام سريع، بينما يدخل آخر بسيط الحال فلا يلتفت إليه أحد.
قد يرتدي شخص ملابس باهظة فيُنظر إليه بإعجاب، بينما يرتدي آخر ملابس بسيطة فيتعرض للسخرية.
وقد يرفض طفل دعوة إلى مناسبة لأنه يخاف أن يكتشف أصدقاؤه أن أسرته لا تستطيع تحمل بعض المصاريف.
وفي كل هذه الحالات لا يكون الفقر هو المشكلة الوحيدة.
المشكلة أن الإنسان أصبح يشعر بأنه مطالب بإخفاء واقعه حتى يحافظ على صورته أمام الناس.
وقد يدفع هذا الشعور بعض الأشخاص إلى الاستدانة من أجل المظاهر.
يشترون ما لا يستطيعون تحمله.
يدخلون في التزامات أكبر من قدراتهم.
ينفقون أموالًا يحتاجون إليها على أشياء لا يحتاجون إليها، فقط حتى لا يشعروا أنهم أقل من غيرهم.
وهنا يتحول ضغط المجتمع إلى عبء مالي حقيقي.
والأشد ألمًا أن بعض الأسر قد تضغط على الأب أو الأم ليعيشوا بمستوى لا يتناسب مع دخلهم، فقط لأنهم يخافون من كلام الناس.
وقد يصل الأمر إلى الزواج.
شاب لا يستطيع تحمل تكاليف الزواج، لكنه يخشى أن يقول ذلك بصراحة.
أسرة تطلب تجهيزات أكبر من قدرتها.
شخص يقترض حتى يقيم مناسبة لا يستطيع تحمل تكلفتها.
ثم يبدأ الزواج بديون وضغوط كان يمكن تجنبها لو توقف الجميع عن سؤال: ماذا سيقول الناس؟
وسألوا بدلًا من ذلك:
ماذا نستطيع نحن أن نتحمل؟
وهذه ليست دعوة إلى الاستسلام للفقر أو الرضا بالحرمان.
على العكس.
الفقر يحتاج إلى مواجهة، والعمل يحتاج إلى سعي، والإنسان يجب أن يطور نفسه ويبحث عن فرص أفضل.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تحارب ظروفك، وبين أن تكره نفسك بسبب ظروفك.
إذا كنت فقيرًا، فلا تجعل الفقر يمنعك من التعلم.
إذا كان دخلك محدودًا، فلا تجعل ذلك يمنعك من التخطيط.
إذا لم تستطع شراء شيء يملكه غيرك، فلا تجعل ذلك سببًا في احتقار نفسك.
ابدأ من مكانك.
طور نفسك.
تعلم.
اعمل.
ادخر.
ابحث عن فرصة.
لكن لا تحاول أن تثبت للناس أنك غني بينما أنت في الحقيقة تغرق في الديون.
فالإنسان لا يصبح أكثر قيمة عندما يرتدي شيئًا أغلى، وإنما عندما يصبح أكثر قدرة على بناء نفسه وخدمة من حوله.
والمجتمع نفسه يحتاج إلى تغيير كبير في طريقة تعامله مع أصحاب الظروف البسيطة.
لا تسخر من طفل لأن ملابسه قديمة.
لا تحرج شخصًا لأنه لا يستطيع دفع تكلفة مناسبة.
لا تجعل شخصًا يشعر أنه أقل منك لأن راتبه أقل.
ولا تجعل الفقر مادة للضحك.
لأن الظروف تتغير.
وقد يأتي يوم يحتاج فيه الإنسان الذي يسخر اليوم إلى من يمد له يدًا غدًا.
والأهم أن نعلم أبناءنا أن الطموح شيء، واحتقار الذات شيء آخر.
نريد منهم أن يحلموا بحياة أفضل، لكن لا نريدهم أن يكرهوا حياتهم الحالية.
نريد منهم أن يعملوا من أجل النجاح، لكن لا نريدهم أن يقيسوا أنفسهم بالمال وحده.
فالإنسان يستطيع أن يبدأ من الصفر، لكن لا يستطيع أن يبني شيئًا إذا ظل يكره نفسه بسبب البداية.
الحلول العملية والإيجابية
أن يتعلم الإنسان إدارة دخله وفق قدرته الحقيقية، لا وفق ما يراه عند الآخرين.
أن يتوقف عن الاقتراض من أجل المظاهر، خصوصًا عندما تكون الديون فوق قدرته على السداد.
أن يجعل هدفه تحسين مستواه تدريجيًا بدلًا من محاولة تقليد حياة أشخاص آخرين.
أن يستثمر في التعليم والمهارات والعمل، لأنها أدوات حقيقية لتحسين الظروف على المدى الطويل.
أن يتعلم الأبناء احترام زملائهم مهما اختلفت ظروفهم المادية.
أن تتوقف الأسر عن تحميل الأبناء فوق طاقتهم من أجل الحفاظ على صورة اجتماعية معينة.
أن تتعامل المدارس والمجتمعات مع الاختلاف المادي بحساسية، وألا تجعل الأنشطة والمناسبات سببًا في إحراج غير القادرين.
أن يقدم القادر المساعدة بطريقة تحفظ كرامة المحتاج، دون تصويره أو إهانته أو تذكيره دائمًا بأنه محتاج.
وأن يتذكر الإنسان أن طلب المساعدة عند الحاجة ليس عيبًا، وأن السعي لتغيير الظروف أفضل بكثير من إخفائها خلف المظاهر.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
سورة الحجرات الآية 13
وقال سبحانه
﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
سورة الذاريات الآيتان 19
وقال الله تعالى
﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
سورة هود الآية 6
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره »
رواه البخاري ومسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« فَإِنْ كَانَ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، وَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: امْضِيَا بِسَلَامٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا، وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟ »
رسالة يعقوب 2 : 15-16
وجاء أيضًا
« لاَ تَكُونُوا مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ »
رسالة العبرانيين 13 : 5
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى عدم جعل المال معيارًا لقيمة الإنسان، وإلى الرحمة بالفقراء والمحتاجين، ومساعدة الإنسان دون إذلاله. فالمال وسيلة من وسائل الحياة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان وحده قيمة أو كرامة أو محبة حقيقية.
في النهاية
لا تخجل من بيتك البسيط.
لا تخجل من ملابسك إذا كانت نظيفة.
لا تخجل من أن تقول: هذا فوق قدرتي.
لا تخجل من بداية متواضعة.
اخجل فقط إذا توقفت عن محاولة تحسين حياتك وأنت قادر على السعي.
فليس عيبًا أن تبدأ من الصفر.
العيب أن تجعل كلام الناس يمنعك من أن تبدأ أصلًا.
ولا تجعل حياة شخص آخر معيارًا تحاكم به حياتك.
قد ترى سيارة ولا تعرف صاحبها مدين بمبلغ كبير بسببها.
قد ترى منزلًا فاخرًا ولا تعرف كم من الضغوط خلف أبوابه.
قد ترى شخصًا يعيش حياة تبدو مثالية، ولا تعرف ما الذي يواجهه بعيدًا عن أعين الناس.
لذلك لا تقارن حياتك بلقطة من حياة شخص آخر.
ابنِ حياتك أنت.
خطوة وراء خطوة.
تعلم مهارة.
ابحث عن عمل.
ابدأ مشروعًا صغيرًا إن استطعت.
ادخر ما تستطيع.
وتعلم أن النجاح الحقيقي لا يحدث في يوم واحد.
وإذا كنت قادرًا على مساعدة إنسان، فلا تجعله يشعر أنه أقل منك بسبب حاجته.
أعطه بيد تحفظ كرامته، وبكلمة ترفع رأسه، وبقلب لا ينتظر منه مقابلًا.
لأن الفقر قد يسكن جيب الإنسان فترة من الزمن، لكن إهانة الإنسان بسبب فقره قد تسكن قلبه سنوات.
وفي النهاية، تذكر هذه الحقيقة جيدًا:
قد يكون المال قليلًا، لكن قيمة الإنسان لا تقل.
وقد يكون الطريق طويلًا، لكن البداية المتواضعة ليست نهاية.
وقد لا تملك اليوم ما تملكه أحلامك، لكنك تستطيع أن تبدأ من المكان الذي تقف فيه الآن.
فلا تخجل من بدايتك…
واجعلها سببًا في أن تفخر بما ستصل إليه يومًا.
![]()
