الكاتبة: عاليا عجيزة
وقفت أمام الرجل العجوز في ساحة القرية، والضوء الأزرق الخافت ينساب من الخاتم الملكي المخبأ بين أصابعها، ليضفي هالةً من الغموض على نظراتها. لم يكن ذهول العجوز سوى الشرارة الأولى لليقظة؛ فقد بدأ أهالي القرية يتجمعون رويدًا رويدًا حول ساحة التمثال البرونزي، يتهامسون بكلمات مليئة بالدهشة والتساؤل عن هذه الغريبة التي ترتدي ثوبًا أبيض عتيقًا يحمل هيبة العروش البائدة، وتملك ملامح تُشبه تلك التي نُقشت على الأنقاض القديمة في أطراف الغابة.
لم تنطق بحرف، بل تركت نظراتها تطوف بين وجوه الحاضرين. كانت ترى في أعينهم انقسامًا واضحًا بين الخوف من المجهول والشغف باكتشاف الحقيقة التي طُمرت لعقود. رفعت يدها بنعومة، ولأول مرة منذ خرجت من دهاليز الكاتدرائية، سمحت للضوء الأزرق المنبعث من الخاتم أن يتوهج بوضوح أمام أعيُن الجميع. انقبضت أنفاس الحشد، وتراجع البعض خطوةً إلى الخلف احترامًا ورهبةً، فقد كان الخاتم يحمل الختم الملكي الأصلي للسلالة الحقيقية، وهو الختم الذي لم يره أحد منذ أن أُعلنت الوفاة المزيفة لأبناء القصر.
سارت بثبات نحو درج البرج القديم في منتصف الساحة، وصعدت خطواته الحجرية لتصبح في مكان مرتفع يراها منه الجميع. كانت الأجواء مشحونة بالترقب، وكأن الزمان قد توقف مجددًا ليعيد رسم خريطة المملكة. أخرجت من بين طيات ردائها الجزء المتبقي من الوثيقة الضوئية، والتي ظلت محفورة في ذاكرتها وروحها، وبدأت تتحدث بصوتٍ ناعم، ولكنه يحمل نبرةً حازمة هزت أرجاء الساحة.
كان صوتها يتدفق كالماء الصافي، يروي تفاصيل الليلة المظلمة التي احترق فيها القصر، وكيف أُديرت المأساة بأيدٍ خفية لسرقة الحكم وتزوير التاريخ. استمع الأهالي بذهول، وهم يكتشفون أن بطلهم المزعوم المصنوع من البرونز لم يكن سوى خائن استولى على المقدرات، وبنى مجده على جثث الأبرياء. بدأت صيحات الغضب والمطالبة بالعدالة تتصاعد من بين الحشود، وتحولت الساحة الهادئة إلى بؤرة ثورة تتطلع إلى استعادة الحق المسلوب، منتظرين كلمةً واحدةً منها لتوجيه خطوتهم القادمة…
![]()
