ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261102 WA0062

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

اخترقت خطوات لارا عتبة القبر المفتوح، فكأن الزمن قد توقف تمامًا عند تلك اللحظة الحاسمة. انبعثت من جوف المقبرة رائحة تراب رطب تمتزج بعبق بخور قديم لا يعرفه الأحياء، وكأن المكان كان يحفظ أسراره في انتظار قدومها لقرون طويلة. لم تكن برودة الأرض تستطيع اختراق دفء الشوق الذي كان يغلي في صدرها؛ فقد كانت موقنة تمامًا بأن خطيبها «زياد» ليس ميتًا كما ادعى أهل المدينة المرتجفون، بل اختطفته ظلال هذا المكان لحكمة غامضة لا تدركها العقول البسيطة.

 

رفعت لارا فستانها الأسود الفخم بحذر قليل لتتمكن من النزول عبر الدرج الحجري الضيق والمنحوت بعناية داخل عمق الأرض. كلما نزلت خطوة للأمام، خفت ضوء القمر الشاحب تدريجيًّا، ليحل محله توهج خافت وأزرق ينبعث من جدران الكهف الصخري السفلي. كانت جدران الممر مرصعة ببلورات لامعة تعكس صورتها، كأنها ألف لارا أخرى تنظر إليها من عوالم موازية. وفي نهاية الممر، ظهرت قاعة حجرية واسعة تشبه قاعات الأعراس القديمة، لكنها مزينة بالشموع السوداء الطويلة التي تحترق بلهب بارد لا يبعث دفئًا، بل هدوءًا مقدسًا.

 

في منتصف القاعة، كان هناك هيكل يشبه المذبح الحجري، وفوقه استقرت مرايا قديمة ملتوية الإطار. وقفت لارا في وسط القاعة، وارتد صدى أنفاسها المرتجفة بين الجدران الصامتة ليكسر وحشة المكان. وفجأة، وبدون مقدمات، بدأت أصوات خافتة تشبه الهمسات البشرية تتردد في الأفق، كأنها تهلل لوصول عروس المقابر الموعودة. أسرعت نبضات قلبها، لكنها لم تتراجع قط؛ فقد شعرت بحضور قوي يحيط بها من كل جانب، حضور دافئ ومألوف يلمس كتفيها برفق، وكأن أحدًا ما يمسح عن وجهها آثار الدموع والتراب.

 

التفتت لارا بسرعة نحو مصدر ذلك الشعور، لتلمح طيفًا داكنًا يشبه ظلال الرجال يقف بالقرب من المرآة الكبرى في أقصى القاعة. لم يكن طيفًا مرعبًا، بل كان يحمل ملامح مألوفة جدًا تذوب في الظل. نطق الطيف بصوت خفيض يشبه حفيف النسيم بين القبور، مناديًا باسمها بلهفة واختيار. كان هو؛ زياد، واقفًا أمامها بهيئته التي عهدتها، لكنه يبدو جزءًا لا يتجزأ من هذا العالم الغامض والساحر.

 

مد زياد يده نحوها، وكانت يده باردة لكنها مفعمة بالحياة والحب الصادق. أدركت لارا في تلك اللحظة أن زواجها لم يكن نهاية لحياتها، بل كان عبورًا نحو خلود مشترك لا يستطيع الموت أو الزمن أن ينال منه. وضعت يدها في يده بلا تردد، ومع تلامس الأيدي، انطلقت ترانيم سرية من جدران القاعة، معلنة رسميًا اكتمال مراسم زفاف عروس المقابر الأبدية، وبداية رحلة جديدة في عالم تتساوى فيه الأرواح وتتلاشى فيه كل مخاوف البشر.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *