كتب: حسين العلي
في زوايا البيوت التي امتلأت بصمت الخيبات، يجلس آلاف الشباب يحملون شهاداتهم الجامعية كما يحمل الجندي سلاحه بعد انتهاء المعركة، ينتظرون بصيص أمل لوظيفة، لفرصة، لأي نافذة تُفتح في جدار الواقع المُغلق. سنوات من السهر والكد، من القلق على الدرجات، ومن الأمل الكبير بالمستقبل، تنتهي بشهادة جامعية قد لا تكون سوى ورقة رسمية مؤطرة تنتظر “الواسطة” لتتحول من حبر على ورق إلى كيان في سوق العمل.
لقد أصبح الحصول على الشهادة الجامعية، في نظر كثير من المجتمعات، معيارًا أساسًا لتحقيق الذات والكرامة وبناء المستقبل. غير أن الواقع، للأسف، لا يعترف دائمًا بما نحمله من مؤهلات، بل بما نحمله من علاقات، ومعارف، ومفاتيح سرية لأبواب مغلقة لا تُفتح إلا بالمحسوبية والوساطة.
فأين الخلل؟ هل في النظام التعليمي الذي ينتج أعدادًا تفوق قدرة السوق على الاستيعاب؟ أم في السياسات الاقتصادية التي لا تولي اهتمامًا كافيًا لدمج الخريجين في ميادين العمل؟ أم في ثقافة مجتمعية تكرّس “المسارات المغلقة” لمن لا سند لهم؟
الشاب اليوم لا يعاني فقط من البطالة، بل من الإحباط، ومن تآكل الثقة بالنفس، ومن غربة بين أحلامٍ تعب لأجلها، وواقعٍ لا يكافئه سوى بالصمت والخذلان. شهادة الهندسة، أو القانون، أو الأدب، لا تُعيل عائلة، ولا تفتح بيتًا، ولا تبني مستقبلًا إن بقيت حبيسة الأدراج، بينما تُمنح الوظائف لمن لا يملكون من المؤهلات سوى القرابة والولاء.
إن هذا الانفصام بين ما ندرس في الجامعات وما يحتاجه سوق العمل، وبين ما نعد به شبابنا وما نمنحه لهم فعليًا، هو جرح نازف في جسد الأمة. ولن تُشفى هذه الأمة إلا إذا أعدنا الاعتبار للكفاءة، وفتحنا الأبواب أمام العقول لا أمام الأسماء.
لقد آن الأوان أن نتجاوز مرحلة التبرير إلى مرحلة التغيير، وأن يُنظر إلى الشهادة لا باعتبارها نهاية الطريق، بل بوصفها بداية لمسار يجب أن يُدعم بالعدالة، والشفافية، والتخطيط الواعي.
فالأمم لا تنهض بمواردها فقط، بل بعقول أبنائها. وإن أبقيناهم جالسين في بيوتهم، بلا وظيفة ولا فرصة، فإننا لا نهدم أحلامهم فحسب، بل نُجهض حاضرنا ونُغامر بمستقبلنا.
لكنّ السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه: ماذا يفعل الشاب الذي أنهى دراسته بجدارة؟ كيف يقاوم شعور العجز وهو يرى جهده يُهمل، وتعبه يُركن جانبًا، بينما تُوزع الفرص بمنطق لا يعرف منطقًا؟ كيف يصبر على خيبة أمل تتكرر مع كل طلب توظيف يُرفض دون سبب، ومع كل إعلان لا يعبأ لا بخبرته ولا بدرجته العلمية؟
إن هذا التراكم النفسي لا يمكن الاستهانة به. فالبطالة ليست فقط فراغًا ماديًا، بل فراغ روحي أيضًا، وتآكل بطيء لثقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه. والنتيجة؟ موجة من الهجرة، وازدياد في معدلات الاكتئاب، وضياع في البوصلة الفكرية لدى جيلٍ كان يُفترض أن يحمل مشعل التغيير والبناء.
وتكبرُ الغصّة في صدر الشاب حين ينظر إلى شهادةٍ بذل من أجلها أجمل سنين عمره، وسهر ليالٍ طويلة وهو يزرع الأمل في نفسه وفي قلب أمه وأبيه، يردد كل يوم: “سأتخرج وأرد لهما الجميل”، لكنه لا يعلم أن البلاد تُجهز له مقعدًا طويلًا على رصيف الانتظار، وأن أبواب المؤسسات لا تُفتح بالكفاءة بل بالوساطات
لقد تحولت الشهادة من رمزٍ للعلم والكدّ، إلى مجرد ورقة تُرمى على الرفوف، تُنظر إليها كما يُنظر إلى شيء عتيق لم يعد له مكان، ويُسأل حاملها: “من تعرف؟” بدل أن يُسأل: “ماذا تعرف؟
المرارة ليست فقط في غياب الوظيفة، بل في غياب العدالة. أن يرى من حوله قد حصلوا على ما لم يسعوا إليه، فقط لأنهم أبناء فلان، أو أقرباء مسؤول ما. كيف لا يُهزم حين يرى جهده يُقابل بالتجاهل، وصوته يُختنق في طابور الانتظار الطويل الذي لا نهاية له؟
الخطير في الأمر أن هذه الظاهرة لا تقتل الأحلام فقط، بل تُميت روح الاجتهاد شيئًا فشيئًا. تُعلم الجيل الجديد ألا يتعب، وألا يجتهد، لأن النجاح ليس بالاستحقاق بل بالواسطة. فما حاجته إلى سنوات الدراسة إن كان حظه مربوطًا بهاتف أو توصية؟
وتجلس أم الشاب تراقبه بصمت، وقد كانت بالأمس تنتظر حفل تخرجه، واليوم تنتظر أن تراه قائمًا على قدميه لا جالسًا في البيت مهمومًا، يطالع شاشة هاتفه عله يجد إعلان توظيف لا ينتهي بعبارة “الأولوية لأبناء الموظفين”.
إننا لا نتحدث هنا عن قصة فردية، بل عن جرحٍ عام، يفتح كل يوم في صدور آلاف الشباب، ومعه جرح في جسد الوطن. لأن الأوطان التي لا تستثمر في شبابها، تُقصي عقولها بأيديها، ثم تتساءل لماذا يهاجرون؟ ولماذا ينعزلون؟ ولماذا ينطفئون بصمت؟
العدالة، أساس استقرار الشعوب. والوظيفة ليست منّة، بل حق. والشهادة ليست عبئًا على الدولة، بل ذخيرة للنهوض بها. فإلى متى يُترك الكفء في بيته، ويُعين غيره لأنه يعرف الطريق المختصر؟
إما أن نُعيد للعلم هيبته، وللشهادة قيمتها، أو نُسلم بأننا نصنع جيلًا بلا أمل، ومجتمعًا بلا عدالة، ووطنًا يضيع في زحمة اللامبالاة.
![]()
