الكاتبة نور عبد الله
أسلمتْ أمي روحها لخالقها بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض، فألحقها بأبي وأخي.
جميعهم التهمتهم الفاقةُ بلا رحمة، ومزّقتهم الحياة بلا شفقة، وتركتني أنا.
كأنها هي أيضًا رأتني لا أستحق العناء، فألقت بي بين أمواجٍ تتلاطم، تصفعني كلما حاولتُ أن أقف.
مضى يومان وأنا في هذا الركن المهترئ، أرفع رأسي وأتأمل البدر في عليائه من خلال النافذة المكسورة،
ثم أخفضه. ينعكس ضوء القمر على مقدمة سريري، فلا أدري: أهو ضوءه حقًا؟ أم صقيعٌ مغطّى بالتراب؟
تنهكني موجةٌ من الذكرى، تأخذني إلى ماضٍ أزلي…أتذكّر أيامًا مضت، رغم ما فيها من معاناة، إلا أن الحنين يغمرني. حنين…
لماذا؟ ربما لصوت أبي الغاضب الذي كان يصدح في أرجاء المنزل، أو لرائحة حساء أمي الذي بالكاد يحتوي على مكونات الحساء،
أو لتلك الكمائن التي كان أخي ينصبها لي بدلًا من أن يصطاد بها الفئران.
أم أن الأمر أعمق من ذلك؟ هل هو الشوقُ لشعورٍ بالانتماء؟ لبيتٍ مزدحمٍ بالكسر، لكنه كان يضمّني.
![]()
