...

صدفة

أغسطس 6, 2025
Img 20250804 wa0030

 

الكاتبة إيمان علاء

 

جلستُ بجانب أمي وأنا أشاهد الطيور التي تغدو إلى أعشاشها قبل أن تبتل بحبات المطر،

فقالت أمي وهي تلامس رأسي بحنان يعجز اللسان عن وصفه: يا بني، ألم تذهب إلى ضريح الشيخ عبد الهادي وتطلب منه أن يوفقك؟ فإني أراك متعثر الحظ، فكلما سرتَ خطوة إلى الأمام، تراجعت آلاف الخطوات للخلف.

 

صمتُّ ولم أُجب، بل اكتفيتُ بالنظر إلى الطيور التي تحلق في سماء ملبدة بالسحاب الثقال.

فأمي تعلم أنني لا أؤمن بهذه الكلمات، فكم طلبت مني ذلك،

وكم دخلتُ في جدال حاد معها، وكنتُ على وشك ترك المنزل الذي أصبح يؤمن بما لا يجب الإيمان به.

 

ولكن أخي، الذي يتظاهر بالحياد بيني وبين أمي كي يرضينا، لم يصمت هذه المرة،

بل اكتفى بكل ما يصدر من أمي التي تجلس بجانب الضريح تطلب التوفيق والرحمة،

وكأن هذا الشيخ إلهٌ على الأرض.

 

قال أخي وهو يركع أمام أمي: لا أريد سماع شيء من هذا القبيل، ممن تطلبين الرحمة والمغفرة؟

أمن بشر أم إله؟ هو كائن مثلنا، مثله.

 

ارتجفت أمي مثل ورقة في فصل الخريف، قائلة:

لا تقل ذلك حتى لا يصيبك أذى، فأنت لا تعلم شيئًا.

 

انتفض أخي من على الأرض، وامتلأت عيناه بالدموع، فالحديث لا يفيد مهما قيل، فهي تؤمن، وعندما يؤمن الإنسان، فلن يُنتزع الإيمان من القلب إلا بيد الخالق.

 

خرج أخي ولم أعلم إلى أين، جلستُ والخوف يعصف بي، لم يمر الكثير من الوقت، وسمعت نحيبًا يصم أذني،

انتفضتُ وأسرعتُ للخارج، فكانت أمي، التي لم تجبني سوى بصوت بعيد وإشارات لم أفهم منها شيئًا،

التصقتُ بالكرسي مثل رضيع، وكأن شبحًا يجثم على صدري.

 

علمتُ ممن كان يقف على الباب أن أخي توفي نتيجة حادث سير.

مرت الأيام ثقيلة عليّ،

فأصبحت أمي تجلس بجانب الضريح ليلًا ونهارًا،

وتدعو للشيخ أن يغفر لهذا الابن الذي عصى،

وكانت نتيجة عصيانه الموت.

 

هنا علمتُ أن الصدفة تجعل من لا قيمة له، له شأنٌ عظيم يُضرب به الأمثال.

فكم من صدفة صنعت من الشيطان وليًّا،

وصنعت من العبد سيدًا، وصنعت من فرعون موسى،

ومن قومٍ فاسقين إلى قومٍ صالحين.

 

فالصدفة تجوب البلاد، وتنزل في نفوس العباد،

لتصنع من لا شيء، شيئًا لا مثيل له،

ومن لا قيمة له، يكون هو القيمة الوحيدة التي يُسلّم بها الناس دون نقاش.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *