الكاتبة شمس سهيل
حينَ يَعْتَصِرُ الوَجَعُ صَدْري: لا أَجِدُ في الهُدوءِ مَلْجَأً؛ بل أَجِدُ في الضَّجيجِ الذي يَصْرُخُ في أَعْماقي صَدى روحي المُمَزَّقة، أَصْرُخُ في داخِلي بِصَمْتٍ وَأُحاوِلُ أَنْ أُخْفي دُموعي خَلْفَ ابْتِسامةٍ مُتْعَبة؛ لكِنَّ كُلَّ نَظْرةٍ في المِرآةِ تَعْكِسُ لي صورةَ قَلْبٍ مُحَطَّم، ما زالَ يَنْبِضُ بِحُبٍّ رَغْمَ كُلِّ الخَيْبات.
أَنا لَسْتُ هادِئةً يا صاحِبي؛ بل هُناكَ عاصِفةٌ مِنَ الصُّراخِ تَشْتَعِلُ بِداخِلي، تُمَزِّقُ أَضْلاعي، تَأْكُلُني مِنَ الدّاخِل، تَقْتُلُني بِبُطْء؛ ولكِنْ بِثَبات، وَتَتْرُكُني مَع ظِلالي التي لا تُفارِقُني، في كُلِّ نَبْضَةِ قَلْب: تَتَصاعَدُ الأَصْوات، تَتَشابَكُ الأَفْكارُ وَتَتَمَرَّدُ المَشاعِر، كَيْفَ لي أَنْ أَكونَ هادِئةً بينَما روحي تَتَقاذَفُها أَمْواجُ الأَلَم، وَأَفْكاري تَلْهَثُ خَلْفَ نورٍ بِداخِلي بَدَأَ يَخْبو؟
كَمْ حاوَلْتُ أَنْ أَهْرُبَ مِنْ هذِهِ العاصِفة؛ لكِنَّ كُلَّ خُطْوةٍ تُعيدُني إِلى حَيْثُ يَكْمُنُ الأَلَم، وَحَيْثُ الذاكِرةُ تَحْكي قِصصًا لم أَعُدْ أَرْغَبُ في تَذَكُّرِها.
الوَجَعُ لا يُقال، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ إِحْساسٍ فَقَط؛ إِنَّهُ قِصّةٌ تُرْوى بِدُموعِ القلبِ وَنَبَضات الروحِ التي تَهْتَزُّ كُلَّما اقْتَرَبْتَ مِن الماضي، الوَجَعُ يَتَرَبَّصُ بِقَلْبي، يُحاصِرُني في زَوايا مُظْلِمة؛ حَيْثُ لا يَصِلُ الضوء، أَحْيانًا، أَرى في المِرآةِ وَجْهِيَ المُنْهَك، ذاكَ الذي خانَتْهُ دُموعُه، فَأَصْبَحَتْ عَيْناهُ جَبَهاتُ حَرْبٍ تَئِنُّ بِصَمْتٍ دامٍ، وَتَشْهَدُ على مَعْرَكةٍ داخِلِيّةٍ لا يَعْرِفُها إِلّا مَنْ عاشَها.
كُلُّ كَلِمةٍ أُريدُ أَنْ أَنْطِقَ بِها تَتَحَوَّلُ أِلى رَمادٍ في فَمي، وَكُلُّ مُحاولةٍ للشَّرْحِ تَتَعَثَّ رُ عِنْدَ حُدودِ الحُنْجُرة، كَيْفَ أَصِفُ ما لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَفْهَمَه؟
وَكَيْفَ أَقولُ لِغَيْري عن الوَجَعِ الذي يَحْتَلُّني مِنَ الداخِل؟
إِنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَلَم؛ بل هُوَ حياةٌ كامِلةٌ مُحاصَرةٌ بَيْنَ جُدْرانِ قلبي، حَياةٌ تَتَنَفَّسُ بالصَّمْتِ وَتَتَغَذّى على الوحدة.
يا صاحِبي، أَعْرِفُ أَنَّني لَسْتُ وَحْدي، كُلُّ مَنْ يَحْمِلُ وَجَعًا في صَدْرِهِ يَعيشُ هذا الضَّجيج الصّامِت، تِلْكَ الحَرْبُ التي لا تَهْدَأ، ذاكَ الصِّراعُ بَيْنَ الأَمَلِ واليَأْس، بَيْنَ ما نُحِبُّ وَما نَخافُ أَن نَفْقِدَه؛ ولكِنَّنا نَتَظاهَرُ بالهُدوء، نَبْتَسِم، نَكْتُم، نَمْتَنِعُ عن البَوْح؛ لَيْسَ خَوْفًا من الآخَرينَ فَقَط، بل خَوْفًا مِن أَنْ نُنْهَكَ أَكْثَرَ بِحَديثِنا عَنْ وَجَعِنا.
يا صاحِبي، هل شَعَرْتَ يَوْمًا أَنَّكَ تَعيشُ في عالَمَيْن: عالَمًا خارِجِيًّا نَبْتَسِمُ فيه، وَعالَمًا داخِلِيًّا يَصْرُخُ مِنَ الأَلَم؟
حينَها تَعْرِفُ مَعْنى الوحدة، الوحدةُ وَسطَ الحُشود، وَمُعاناةُ قلبٍ لا يَجِدُ مَلْجَأًا إِلّا في صَمْتِ اللَيْلِ البَهيم.
أَحْيانًا، أُحاوِلُ أَنْ أَرْحَلَ بَعيدًا عَن هذا الصَّخَبِ الدّاخِلي، أَبْحَثُ عن هُدوءٍ يُشْبِهُ السَّلام، عَنْ نَسَماتٍ تُطْفِئُ لَهيبَ الجُرْح، عَنْ لَحْظةِ يَقَظةٍ تُريحُ الروح؛ لكِنَّ الوَجَعَ يُلاحِقُني، يَصْرُخُ في أُذُني، وَيُعيدُني إِلى نَفْسي كُلَّ مَرّة.
يا صاحِبي، لا تَظُنَّ أَنَّ الوَجَعَ ضَعْف؛ فَهُوَ قادِمٌ مِن عُمْقِ الحُب، مِن شِدَّةِ التَّعَلُّق، وَمِنْ قُوَّةِ الانْتِظار، الوَجَعُ يَعْني أَنَّنا لا نَزالُ نَعيش، نُحِب، نَحْلم، وَنَأْمَلُ رَغْمَ كُلِّ شَيْء.
فَدَعْني أَبْقى هُنا في ضَجيجِ قَلْبي، وَفي سُكونِ وَجَعي، أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَصْمِت، كَيْفَ أَحْتَمِل، كَيْفَ أَصْبِرُ وَكَيْفَ أُقاوِم؛ فَلَيْسَ الهُدوءُ دائِمًا مَلْجَأً؛ بل قد يَكونُ الصَّمْتُ ذاتُهُ هُوَ أَقْوى صَوْت.٩-٦-٢٠٢٥
![]()
