...
Img 20250610 wa0010

 

 

الكاتب اليمني: محمد طاهر سيَّار الخميسي. 

 

اللَّهُمَّ إِنِّي أُواسِي نَفسِي أَوَّلًا من أثَرِ فَجِيعَتِي بوفَاةِ جَدَّتِي، التِي أضَاءَت حيَاتَنَا بِبِرِّهاوحنانها. كانت مُحسِنَةً معَ أُمِّي ومَعَ إِخوَانِي ومَعَ جيرَانِهَا، وَكُلُّ واحدٍ من أهلِ القَريةِ قد ذَاقَ قِسمَتَهُ الّتِي أهدَتهُ إِيَّاهَا، من الصِّغَارِ والكِبَارِ.

 

عاشت على البسَاطَةِ التي ألفَتها من البيئَةِ التي نَشَأت فيها في ذَلِكَ الزَّمن. كانت مُحسِنةً معَ أَبقَارِهَا وأغْنَامِهَا، تَجلِبُ الأَعلَافَ لها رحمَةً وشَفقَةً، لتَكسِبَ الأجرَ في رِفقِهَا بِالحَيَوَانِ. كانت تُدِرُّ عليهَا بِاللَّبَنِ وَالْحَلِيبِ، الذِي تصنَعُ مِنهُ الحَلِيبَ والسَّمنَ البَلدِيَّ.

 

كانَ الاطفَالُ يَأتُونَ إِلَيهَا كُلَّ صَبَاحٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَحمِلُ إِنَاءَهُ لِيَأْخُذ قِسمَتهُ التي قَدَّرَهَا اللَّهُ لهُ من الحَلِيبِ على يدِ تِلكَ العَجُوزِ الطَّيِّبَةِ. رَأينَا فِي عينيها طِيبَة أصحَابِ الزَّمنِ الجَمِيلِ، زمن الرَّحمَةِ والقِسمَةِ العَادِلةِ بِمَا تَملِكُ يَدَاهَا من الشَّيءِ اليَسِيرِ.

 

كانت تثِقُ بِأنَّ هذا العمل سَيُدخِلُهَا أعلى منزِلةٍ في الجنَّةِ. كُلُّ ما أنفقتهُ كانَ للَّهِ، لا تَشبُثُ بِهِ أَبَدًا، وَلَا تُبَادِلُهُ. وَمَا كَانَ لَهَا، تأخُذُهُ بِالقِسمةِ العَادِلةِ دُونَ تفريطٍ أو تبذيرٍ، لتسُدَّ بِهِ حَاجتها وتقتصِدَ فيهِ حتى لا تحتَاجَ إِلى أحدٍ.

 

في مرضها، لم تَطلُب مُعُونةً من أحدٍ إِلا ما قسمهُ اللَّهُ لها من أيدي أبنائهَا الَّذينَ يتسابقُونَ لبرِّها لانَّها أُمُّهُم وأُختٌ لهُم وكُلُّ شيءٍ بِالنِّسبة لهُم. لم تَلِدْ لَهُمْ أخَوَاتٍ يتحَمَّلنَ مسؤُوليَّة البَيتِ، لكِنَّهَا تحمَّلت ما لم تَحتَمِلهُ كُلُّ امرَأةٍ في عِبءِ البَيتِ بدُونِ تَذَمُّرٍ أو سَخَطٍ.

كانت جدَّتِي كالشَّجرةِ المُثمرةِ، تُعطِي بلا توقُّفٍ، وتجُودُ بلا حُدُودٍ. كانت حيَاتُهَا درسًا في العَطَاءِ والتَّضحيَةِ، وسَتبقى ذِكرَاهَا في قُلُوبِنَا إِلى الأبَدِ.

 

اللَّهُمَّ إنِّي أشعُرُ بِحُزنِ أَولادها الأربعةِ لفَقدِ والدتِهم، فخَفِّف عنهُمُ الحُزنَ والأَلمَ، وأجبِر قُلُوبَهُم جَبرًا يتعَجَّبُ مِنهُ أهلُ السَّمَاوَاتِ والأرضِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلمُ أنَّهَا لم تكْفُر بنعمَتك، ولم تسخط قضاءكَ وقدرك.

 

اللَّهُمَّ أجبر قُلُوبًا تَتَألَّمُ، وعُيُونًا تَذرِفُ بِالبُكاءِ في فراقِهَا. اكتُب لهُمُ الأَجر على تصَبُّرهم واحتِسَابِهِم وتحَمُّلِهِم هَولَ المُصِيبَةِ. خَفِّف عَنهُمُ الحُزنَ والأَلَمَ، واربُط على قُلُوبِهِم بالصَّبرِ والسُّلوانِ.

 

اللَّهُمَّ خَفِّف عنها الحِسَابَ يوم القِيَامةِ، وثبِّتهَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ عندَ السُّؤالِ، واجعَل قبرَهَا روضَةً من رِياضِ الجنة وأدخِلهَا بِرَحمَتِكَ جَنَّتَكَ التي أعددتهَا للمُتَّقِينَ، حيثُ النَّعِيمُ المُقِيمُ والفَرَحُ الدَّائمُ.

 

عاشت عيشة المُؤمناتِ الصَّابِرَاتِ المُحتَسِباتِ. اللَّهُمَّ أحسِن جزاءَهَا، وأغفر، لها ذُنُوبها، وارحمهَا رَحمَةً واسعَةً من، عندكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *