ـ كتبت / هناء علي
محمود بكر صبري… شاعر يكتب من وجعه ليواسي به غيره، ويحوّل الكلمة إلى ضوء يُرى بالقلب.
في هذا الحوار مع مجلة الرجوة، نقترب من ملامح رحلته، ونسأل الحرف حين يكون ضمادًا.
1. في البداية، كيف تُعرّف نفسك للقارئ؟ من هو محمود بكر صبري خلف الحروف؟
لستُ مجرّد شاعر، بل إنسان يحاول أن يُصغي أكثر مما يتكلّم، ويلملم الشتات بكلمة قبل أن يمدّ يده.
أنا “محمود بكر صبري”… وجع يرتدي الكلمات، وقلب يكتب ليُداوي ليس نفسه فحسب، بل قلوب من حوله أيضًا.
خريج كلية التمريض وأخصائي نفسي، لكن أعظم ألقابي أنني إنسان مر بتقلبات الحياة، فأصبح صادقًا مع نفسه ومع ما يكتبه.
2. ما الذي قادك من التمريض إلى علم النفس، ومنه إلى الكتابة والشعر؟ وكيف اجتمعت هذه العوالم فيك؟
بدأتُ دراسة التمريض لأنني رغبت في مداواة الجسد، ثم أدركت أن الألم ليس دائمًا في الجسد، بل كثيرًا ما يسكن الروح.
لذلك درست علم النفس لأفهم الإنسان من الداخل، ولأمدّ يدي بالكلمة لا بالدواء فحسب.
أما الكتابة، فهي التي احتضنتني في أشد أوقاتي صعوبة، وكانت الجسر الذي وصل بين هذه المجالات الثلاثة: الشفاء، والفهم، والتعبير.
3. تقول إنك تكتب لتخفّف عن الآخرين… هل كانت بدايتك في الكتابة تعبيرًا عن ألم شخصي؟
نعم، كانت البداية وجعًا شخصيًا عميقًا.
كتبت لأرتاح، ولأُفرغ ما بداخلي، ولأستطيع الاستمرار. ومع الوقت، اكتشفت أن ما أكتبه يلمس آخرين، ويواسيهم.
من هنا تحوّل الوجع إلى رسالة، والكلمة إلى بلسم.
4. ما الذي يجعل من الكلمة – في رأيك – دواءً؟ وكيف ترى تأثير ما تكتبه على القارئ؟
تصبح الكلمة دواءً حين تخرج من وجع حقيقي وتمتلئ بالصدق.
الناس يشعرون بالكلمة الصادقة، ويجدون فيها ذواتهم، ويطمئنون أنهم ليسوا وحدهم.
كثيرون يخبرونني: “كلامك عبّر عمّا في قلبي”، وتلك بالنسبة لي أجمل شهادة تقدير.
5. ديوانك “أنا الذي فاضل مني وجع” يحمل عنوانًا عميقًا… ما القصة وراءه؟
العنوان خرج من لحظة شعرت فيها أنني تغيّرت كثيرًا وتكسّرت، ولم أعد كما كنت.
ومع ذلك، بقي الوجع في داخلي، وهو الذي علّمني أن أكتب، وهو ما جعلني أحنّ وأواسي غيري.
هذا الديوان اعتراف بأن ما تبقّى مني ما زال قادرًا على الحب والحنين والكتابة.
6. روايتك “عشق عبر المجرات” تمزج بين الخيال العلمي والرومانسية، كيف جاءت الفكرة؟ وما التحدي في هذا النوع؟
ولدت الفكرة من تأمّلي في “المسافات” بين القلوب، ليس في المكان فقط، بل في الزمن والوعي أيضًا.
قلت لنفسي: لِمَ لا يكون الحبّ تحديًا كونيًا؟
فكتبت رواية عن حبيبين يتواصلان عبر المجرات، لإثبات أن المشاعر لا حدود لها.
وكان التحدي هو المزج بين الخيال والعاطفة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
7. هل ترى أن الشعر العامي قادر على ملامسة الوجدان أكثر من الفصحى؟ ولماذا اخترت الكتابة بالعامية؟
الشعر العامي يصل سريعًا إلى القلب لأنه لغة الناس في حياتهم اليومية.
أحب الكتابة بالعامية لأنها تمكّنني من التعبير بصوتي الحقيقي، لكنني أقدّر الفصحى كثيرًا، وأستخدمها في بعض الأعمال، خصوصًا الروايات والخواطر.
8. كيف تجمع بين تخصّصك النفسي وعطائك الأدبي؟ وهل علم النفس أحيانًا يكتب معك؟
علم النفس علّمني الإصغاء، وكثيرًا ما يكتب معي حين تلمسني حالة أو قصة إنسانية أو وجع يستحق أن يُروى.
كل كلمة أكتبها تحمل شيئًا من فهم النفس واحتواء الآخر.
9. هل هناك موقف أثّر فيك خلال تقديمك لجلسات الدعم المجتمعي ودفعك للكتابة عنه؟
نعم، فتاة كانت تتعالج من اكتئاب حاد قالت لي: “أنا لا أريد علاجًا… فقط أريد من يسمعني”.
هذه العبارة آلمتني، فكتبت بسببها خاطرة بعنوان “اسمعني فقط”، وأدركت حينها أن أبسط ما يمكن أن نقدّمه هو أن نصغي بصدق.
10. أي من أعمالك هو الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
أقرب أعمالي إلى قلبي هو كتاب حين يظهر الأمل، لأنه كُتب في وقت كنت أنا نفسي أحتاج فيه إلى الأمل.
كل كلمة فيه كانت طوق نجاة لي ولمن يقرؤه.
11. وأخيرًا، ما رسالتك لكل شخص يشعر بوجع ولا يعرف كيف يعبّر عنه؟
أقول له: وجعك ليس ضعفًا، وصمتك ليس عجزًا.
لكن حاول أن تُخرج ما بداخلك بأي وسيلة… ارسم، اكتب، تحدّث، حتى لو مع نفسك.
ليس في الوجع عيب، إنما العيب أن تبقى حبيسًا له.
افتح باب قلبك… فقد تجد كلمة تنقذك، أو حضنًا في هيئة سطر.
ـ إعداد / هناء علي
#ارتقاء
![]()
