...

فن الصورة

أغسطس 20, 2025
Img ٢٠٢٥٠٨٢٠ ٢٢٢٩٢٧

الكاتب منير الدايري 

عندما تتحول النظارة إلى عمل فني: عن حضارة الصورة وسلطة المكان

في أحد المتاحف الفنية بالولايات المتحدة، قرر مراهق أن يختبر وعي الجمهور بطريقة غير مألوفة. ترك نظارته الطبية على أرضية القاعة بهدوء، ثم تراجع قليلاً ليراقب ردود أفعال الزوار.

المفاجأة أن كثيرين توقفوا أمام النظارة مطولاً، يتأملونها كما لو كانت عملاً فنياً متعمداً. بعضهم التقط الصور بحماس، وآخرون حاولوا بجدية قراءة “الرسالة الخفية” وراء هذا الشيء البسيط. لكن لحظة الإدراك جاءت عندما عاد الشاب إلى مكانه، التقط نظارته وارتداها أمام أعين الجميع، تاركاً الحاضرين في حالة من الارتباك والحرج.

بين القيمة الذاتية وسلطة السياق

هذه القصة ليست مجرد مقلب طريف، بل تكشف عن واحدة من أهم آليات إدراكنا للجمال والقيمة: ليست الأشياء دوماً مهمة بذاتها، بل بالمعنى الذي نُسبغه عليها، وبالمكان الذي نضعها فيه.
النظارة على وجه المراهق مجرد أداة بصرية، لكن النظارة على أرضية المتحف اكتسبت “سلطة المكان”، فتحولت إلى تحفة تُثير التأمل.

الفن المعاصر: حين يصبح العادي استثنائياً

هذه الحادثة ليست معزولة. عالم الفن المعاصر مليء بأمثلة تكشف عن هشاشة الحدود بين “العمل الفني” و”الشيء العادي”.
من أبرزها عمل الفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، الذي ألصق موزة على جدار باستخدام شريط لاصق وعرضها في معرض “آرت بازل” عام 2019. المفاجأة أن القطعة — التي حملت عنوان Comedian — بيعت بمبلغ وصل إلى 120 ألف دولار! ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة الفن، وحدود القيمة، وكيف يمكن أن يصنع السياق وحده أسطورة حول شيء تافه في جوهره.

وقبل ذلك بقرن تقريباً، قدّم الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب مبولة عادية (Urinal) كعمل فني بعنوان Fountain سنة 1917. ورغم رفضها أولاً، اعتُبرت لاحقاً أحد أكثر الأعمال تأثيراً في القرن العشرين، لأنها زعزعت فكرة أن الفن مرتبط بالمهارة اليدوية أو بالمواد النبيلة، لتفتح الباب أمام سؤال عميق: هل الفن في الشيء ذاته، أم في الفكرة التي تحيط به؟

من الفن إلى الحياة اليومية

ما حدث في المتحف يعكس بدقة ما نعيشه اليوم في حياتنا اليومية. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لا تعود القيمة مرتبطة بالمضمون بقدر ما تُصنع بالصورة والإطار.
فشخص ما قد يُنظر إليه كمؤثر أو “رمز”، لا بسبب جوهره أو معرفته، بل بسبب السياق الإعلامي الذي يُقدَّم فيه، وعدد المتابعين الذين يلتفون حوله.

إننا نعيش في زمن بات فيه “التافه” قادراً على احتلال الصدارة، لمجرد أنه وُضع في المكان المناسب، أو صُوِّر في اللحظة المناسبة. تماماً كما تحولت النظارة العادية إلى عمل فني لمجرد وجودها على أرضية متحف.

الرسالة الأعمق: اصنع مكانتك بنفسك

قد يبدو المشهد ساخراً، لكنه يحمل رسالة بالغة الأهمية: إن أردت أن تُرى وتُقدَّر، لا تنتظر أن يُعرّفك الآخرون، بل اصنع لنفسك سياقك الخاص، وابنِ مكانتك بوعي وإصرار.
فالمكانة لا تأتي من فراغ، بل من قدرة الإنسان على أن يضع نفسه في الإطار الذي يستحقه.

في النهاية، نحن نعيش في “حضارة النظارات وحضارة الصورة” كما يمكن تسميتها، حيث قد يتحول العادي إلى استثنائي بمجرد تغيير الزاوية أو الإطار. والفرق بين أن تكون مجرد نظارة على وجه عابر، أو قطعة فنية تُثير الجدل… هو المكان الذي تختاره لنفسك.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *