الكاتبة منة الله محمد
كنتُ منذ زمنٍ بعيد أُهدر روحي فيما لا يستحق، وأُثقِل قلبي بما لا يُحتمل.
كنتُ أتأثر إلى حدّ الانكسار حين أشعر أنّ أحدهم قد أساء فهمي، أو رسم عني صورةً لا تُشبهني، أو حمل في صدره عتابًا لم أقصده. كانت فكرة أن يخطئ الآخرون في قراءتي تؤلمني، وتُربكني، وتُدخلني في دوّامةٍ من التساؤلات: هل قصّرت؟ هل كان بإمكاني أن أوضح أكثر؟ هل فشلتُ في التعبير عن ذاتي؟
كنتُ أُرهق نفسي في سبيل إصلاح تلك النظرة، أبذل الجهد فوق الجهد، وأُعيد صياغة كلماتي مرارًا، وأُحاول أن أفتح نوافذ قلبي ليراها الجميع بوضوح. كنتُ أظن أن عليّ واجبًا مقدسًا: أن أفهم الناس نفسي، وألا أترك في قلوبهم عني أثرًا سيئًا. كنتُ أظن أن صورتي في أعين الآخرين هي حقيقتي، وأنني إن لم أُحسن تلميعها فسأخسر شيئًا من وجودي.
لكنني أدركت مؤخرًا أن الأمر أبسط وأعمق في آنٍ واحد. أدركت أن من يريد أن يفهمك حقًا، سيقرأك دون شروح، وسيشعر بك دون كثير كلام. من يحبك بصدق سيرى روحك حتى لو عجزتَ عن التعبير. ومن أراد أن يفهمك خطأ، فسيجد ألف طريق لذلك، مهما بذلتَ من عذرٍ وتوضيح.
أدركت أنني لستُ مطالبة بأن أُبرر نفسي في كل مرة، ولا أن أُطارد سوء الظنون لأُصححها، ولا أن أشرح قلبي لمن أغلق قلبه عن فهمي. إن معرفتهم بي ليست مسؤوليتي، بل مسؤوليتهم هم. إن أرادوا أن يُنصفوا، أنصفوا، وإن أرادوا أن يُسيئوا الفهم، فلن تنفعني جميع كلماتي ولا محاولاتي.
تعلمتُ أن أُخفف عن نفسي هذا العبء الثقيل. تعلمتُ أن أعيش لذاتي لا لمرآتهم، أن أرتب عالمي الداخلي بدلًا من الركض خلف صورتي في أعين الآخرين. تعلمتُ أنني حين أُخلص النية، يكفيني أن الله يعلم، وحين أصدق في القول والفعل، يغنيني أن الله يرى.
فلم أعد أخشى سوء الفهم، ولم أعد أركض وراء التبرير. تركتُ الأمر لله، وتركتُ قلوب الناس لهم. من شاء أن يفهم، فليفهم. ومن شاء أن يظن، فليظن. أما أنا، فحسب قلبي أن يكون صافيًا، وحسبي أن أعيش بسلام مع نفسي، وحسبي أن أثق أنّ الله لا يُضيّع صدق السرائر.
وهكذا تعلمت أن أُسلّم أمري لما هو أصدق من ظنون البشر، وأن أستريح في يقينٍ عميق: أنّ حقيقتي لا تُختزل فيما يراه الآخرون عني، بل فيما يعلمه الله عنّي.
![]()
