...

السر

سبتمبر 4, 2025
Img 20250904 wa0026

الكاتبة منال ربيعي 

 

أغمضتُ عيني، فإذا بصوتها يطلّ من داخلي، يشبهني حدَّ الوجع. قالت:

“أنا ظلّك يوم لعبتِ في الفرعة الصغيرة خلف بيت جدك، والغبار يتطاير من تحت قدميكِ كذرات ضوء راقصة. كنتِ تلاحقين صغار الدجاج وتضحكين بصوت عالٍ، حتى شعرتِ أن الجدران الضيّقة صارت ساحة واسعة تخصكِ وحدك. أنا رائحة المانجو في صيف بعيد، وألوان الفساتين القطنية التي خفقت مع الريح وأنتِ تدورين كأنكِ طيفٌ صغير من فرح.”

 

سكتت قليلًا، ثم تابعت:

“أنا أنتِ في صباحات المدرسة، حين كنتِ تُمسكين كراسة جديدة تفوح منها رائحة الحبر الأزرق، وتكتبين أولى الحروف بشغف غريب، كأنكِ تُوقّعين عهدًا مع نفسك. أنا ليالي الشتاء التي أسندتِ فيها خدّك على زجاج النافذة، تراقبين المطر يهبط في صمت، وتحلمين أن تتسع الدنيا لأسئلتكِ كلها.”

 

اقترب صوتها أكثر، فصار أعمق:

“أنا ذلك السرّ الذي خبأتِه في دفاترك القديمة؛ أبطال من وحي خيالك، صنعتِ لهم ملامح وأسماء لا يعرفها أحد سواك. كنتِ ترسمينهم بالكلمات وتمنحينهم قلوبًا، ثم تضحكين في سرّكِ لأنهم كانوا يعيشون معكِ وحدك، كأنكِ اخترعتِ عائلة أخرى من الحروف.”

 

فتحتُ عيني فرأيتها في داخلي، لا في الخارج؛ كانت تضيء بألوانٍ عرفتها جيدًا:

في عينيها خضرة الحدائق التي مررتُ بها، وفي ابتسامتها دفء مصباح أصفر قديم كان يضيء شرفة البيت. وحين ضمّتني، شعرتُ أنني عدتُ إلى رائحة خبز أمي ساعة الفجر، وإلى سكون الليل حين تنطفئ الأصوات ولا يبقى إلا قلبي يهمس.

 

قالت أخيرًا:

“لا تبحثي عني في الوجوه العابرة، فأنا أقيم فيكِ منذ البداية. أنا توأمك، نصفك الخفي، ورفيقتك التي لن تفارقك. أنا الروح التي أودعها الله فيكِ لتذكّرك أن وجودك طريقٌ مقدّر، وأنكِ منسوجة من نورٍ لا ينطفئ.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *