الكاتبة منة الله محمد
هناك عزلةٌ جميلة…
عزلة لا تعني كُرهًا للأصدقاء، ولا جفاءً للأحبة، ولا هروبًا من الحياة. إنّها مساحة أخصّ بها نفسي، أقترب فيها من أعماقي، كما لو أنّني أفتح نافذةً على روحي، أستنشق منها ما يعيد لي صفائي.
في هذه العزلة، أسمع صوتي الذي غطّاه صخب الأيام، وأستعيد أحلامي التي كدت أنساها بين ازدحام الوجوه. أجلس وحدي، لا لأنني ضعفت عن مواجهة العالم، بل لأنني أحتاج أن أرى نفسي واضحة بلا أقنعة، وأن أحتضن قلبي بعيدًا عن كل ضجيج.
العزلة ليست انطفاءً، ولا انكسارًا، بل دفءٌ آخر؛ دفء يأتيني حين أضع رأسي على وسادتي، فأشعر أنّني لست بحاجة لشيء سوى يقيني بأنني أملك ما يكفيني. فيها أدرك أنّ الحب لا يغيب حين نبتعد قليلًا، وأنّ الصداقة لا تفقد معناها حين نصمت طويلًا، وأنّ القرب الأصدق يبدأ من داخلي قبل أن أطلبه من أحد.
أجلس في هدوئي، كمن يجمع شتاته قطعةً قطعة، أرمّم ما تهدّم، وأضمد ما جرحته الأيام. لا أشعر بالوحدة، بل بالامتلاء… كأنني أتنفّس للمرة الأولى بعد غرقٍ طويل، وكأنّ العالم كله يسكن بداخلي حين أغمض عيني.
إنها عزلة تشبه حضنًا ألوذ به من الدنيا، لا لأبتعد عنها، بل لأعود إليها أقوى. عزلة تمنحني طمأنينةً لا تصنعها الكلمات، ولا يهبها أحد؛ طمأنينة تُعلّمني أنّ الرجوع إلى نفسي ليس خسارةً، بل نجاة.
فالعزلة الجميلة ليست فرارًا من الناس، إنما هي اقترابٌ صادق من الروح، ومصالحة مع القلب، وبابٌ خفيٌّ يفتح على نورٍ داخليٍّ لا يراه سواي.
![]()
