كتب: أحمد حمزة
طالب بكلية الألسن/قسم اللغة الألماني
كثيرا ما أسمع أن المبدع أو العبقري يعيش مشاعره بحدة، لديه حساسية ذهنية وعاطفية عالية، تأمله زايد، تفكيره عميق، وحدته عُزلة، ويشعر بالاختلاف.
مع كل هذه السمات يكون الإدمان بمثابة الحضن أو المُسكن للهروب من الألم المصاحب لتلك السمات.
وبداخل كل مبدع شيءٌ من الألم، وشيءٌ من الفضول، وشيءٌ من الطفل الذي لم يتعلم بعد كيف ينام حين يُؤذى.
لكنّ بعضهم، بدل أن يكتب أو يرسم أو يغنّي، يمدّ يده إلى كأسٍ أو حبةٍ أو شاشةٍ مضيئة، يظنها ستُسكته.
ولا يعلم أن كل محاولة للهروب من الألم، هي في الحقيقة تغذية له.
فهل فعلا الإدمان لعنة، أم طريق مختصر للإلهام ؟
عقل المبدع يشبه محرك سيارة سباق في جسد إنسانٍ عادي. يشتعل، يدوّي، لا يهدأ لحظة. يفكر وهو نائم، ويقلق وهو سعيد، ويخاف من فكرة الخمول أكثر من خوفه من الموت. وعندما يكتشف شيئًا يسكّن هذا الصخب كسيجارة مثلا أو كأس _ كما أسلفت _ أو حتى فكرة مجنونة يتمسك بها كغريقٍ بالإبرة.
فالإدمان لا يأتيه من باب اللهو، بل من باب النجاة. يريد أن يطفئ العاصفة في رأسه، أن يجعل الأصوات تسكت قليلًا أن ينام دون أن يطارده سؤال “ما معنى كل هذا؟”. لكنه لا يدرك أن ما أخمده في البداية سيحترق في النهاية.
المبدع حين يدمن، لا يخسر فقط صحته، بل يفقد نافذته إلى العالم. يصبح الإبداع تكرارًا باهتًا لذكريات تألق قديم. كان يكتب لأنه يحس، ثم صار يحس لأنه يكتب. ثم لا هذا ولا ذاك. مجرد ظلّ إنسانٍ ينتظر لحظة صفاءٍ نادرة ليعود ما كان.
أغرب ما في الأمر أن كثيرين يظنون أن الإدمان هو سر عبقرية الفنانين، بينما الحقيقة أنه سر سقوطهم. فان جوخ على سبيل المثال لم يرسم الألوان لأنه تعاطى، بل تعاطى لأنه لم يحتمل تلك الألوان التي تراها روحه أكثر مما تحتمل عيناه.
التعافي بالنسبة للمبدع ليس سهلًا للأسف؛ لأن عليه أن يتعلم كيف يعيش مع الضوء دون أن يحترق. أن يقبل بأن الألم جزء من المعادلة، وأن الوعي الحاد الذي لعنه يومًا هو ذاته مصدر جماله. يحتاج إلى أن يكتب من جديد، لا ليهرب، بل ليواجه.
في النهاية، لا يوجد عبقري مدمن، بل روح عطشى تبحث عن سكونٍ في بحرٍ لا يهدأ. الإدمان لا يصنع الفن، بل يسرق القلب الذي كان يصنعه.
المبدع لا يحتاج أن يخدّر عقله، بل أن يتصالح معه. والعلاقة بين الإدمان والإبداع ليست زواجًا مقدسًا، بل خطيئة قديمة بين الألم والخيال.
وحين يتصالح المبدع مع ألمه، يتحول السم إلى دواء، والوجع إلى قصيدة، والليل إلى صفحةٍ من ضوء.
وهنا صديقي المبدع تُدرك أن أجمل إبداع هو أن تكتب أو ترسم وأنت بكامل وعيك… رغم كل الألم.
وأن تؤمن بأن الإبداع لا يولد بالهروب من الألم، بل من احتضانه.
أحمد حمزة
طالب بكلية الألسن/قسم اللغة الألماني
![]()

مقال عميق وبطريقة سلسة ومنفتح ومفهوم عتاب ،وممكن أضيف قول شخص سمعته مرة ان الإرادة عضلة بتحتاااج تدريب في مدمنيين عارفين خطأئهم ولكن العزيمة ضعيفة ،بس المقال قوي ❤