...
Img 20251012 wa0031

 

 

بقلم/ حسين العلي

 

في غمرة التطور السريع والضوضاء العالمية التي تحاصرنا من كل جانب، يظل الكتاب هو الملاذ الآمن والساحة الهادئة للروح الباحثة عن السكينة والتبصر. ليست القراءة مجرد تمرير عين على حروف متراصة، بل هي عملية اختراق واعية لأسوار الجهل والغفلة، وتحويل سحري للداخل الإنساني، يضيء زواياه المعتمة بشموع الفهم والإدراك. إنها حوار صامت مع أعظم العقول، فرصة لأن نعيش حيوات متعددة دون أن نغادر مكاننا.

 

إن النفس البشرية، تماماً كالأرض البكر، بحاجة دائمة إلى الحرث والبذر لتعطي ثماراً طيبة. والكتب هي محراث الفكر، وبذور الروح. فكل صفحة نقرؤها تبني في داخلنا جسراً جديداً للوعي، وكل فكرة نستوعبها تضيف لنا عمقاً إلى الشعور. والقارئ الحقيقي لا يرضى بأن يكون نسخة مكررة، بل يسعى ليكون كائناً فريداً، تصقله الكلمات، وتنقيه المعارف، وتعلمه كيف يشاهد العالم من زوايا لم يفكر بها غيره.

 

وما أجمل أن يكون المرء في مدينة الثقافة، عندما تأخذه الخطى إلى مثل تلك الأماكن التي تضم بين جنباتها الآلاف من الأرواح المتجسدة في كتب، كما هو الحال في أسواق الوراقين العريقة. هناك، تشعر أنك في مملكة للصمت البليغ، حيث الجدران تتحدث بألسنة الفلاسفة والشعراء والعلماء. تتلمس الأغلفة، وتستنشق عبير الورق القديم، فتجد في نفسك رغبة جامحة في التهام هذا الكم الهائل من المعرفة، وتحويله إلى جزء منك.

ولعل أقسى درس نتعلمه في هذه الساحات الجميلة، هو العجز عن استيعاب الكل. فالزمن محدود، والجيوب ليست بسعة الرغبات، والأرفف في البيت لها طاقة استيعابية. وهنا تبدأ الحكمة: فن القراءة هو فن الاختيار. اختيار ما يغذي الروح أكثر، وما يجيب على التساؤلات الوجودية الأكبر. إن الحرمان من كتاب نتمناه يعلمنا قيمة ما ملكنا، ويجعلنا أكثر شغفاً لعودة قادمة.

 

فالكتب ليست للتزيين أو لتكديس الأرفف، بل هي مشاريع حياة. فهي تقدم لنا نماذج للصبر في وجه المحن، وتعلمنا فن التفاؤل في قلب اليأس، وتطور لدينا القدرة على تقبل الآخر بجميع تناقضاته. إنها تخرجنا من دائرة ذواتنا الضيقة، لتلحقنا بالسلسلة الواسعة للوعي الإنساني المشترك.

 

هكذا تكون الكتب، يا صديقي، ليست مجرد حبر على ورق، بل هي أنفس تحاكي أنفسنا، وعقول تناغي عقولنا. هي الرفيق في الوحدة، والناصح في الحيرة، والمنقذ في الضيق. فاحرص على أن تكون لك معها صلة وثيقة، وعلاقة متينة، تصقل بها نفسك، وتوسع بها أفقك، وتعمق بها إنسانيتك. ففي البدء كانت الكلمة، وفي الختام تبقى الكلمة نوراً وهدى للعالمين.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *