الكاتبة ناهد الزيدي
إلى من ملك الفؤاد، وتبوّأ سويداء القلب…
سلامٌ عليك من روحٍ أنهكها الحنين، ومن قلبٍ ما عرف الهدوء مذْ عرف اسمك.
أما بعد:
فكأنّ الكتابة أعادتني من صمتي الطويل، ذلك الصمت الذي يشبه طول ليالي الشتاء الباردة، حيث لا رفيقَ ولا أنيس. أكتب إليك يا حبيبي العزيز، والحبر يكاد يتجمّد من شدّة البرد. سكنت الشوارع، وعمّ السكون أرجاء المكان، وأنا أجلس عند نافذتي أراقب الطريق وألمح الأضواء، وأدوّن ما عجز لساني عن قوله، ليصلك نبض حبري.
سكت العالم، وكأنّ الكون أسدل ستاره احترامًا لنبضٍ لا يعرف إلا اسمك. جعلتُ اسمك يضيء كشمعةٍ في غرفةٍ تشدّها العتمة وتستبدّ بها. أصبحتُ كأريكة غرفتي، متروكةً لا ينفض عني أحدٌ طبقةَ الغبار السميكة، أنتظر علّ أحدهم يتذكّرني. أواجه بنوري الخافت رياحًا قويّة، وأستمدّ وهجي من ذكرى ابتسامةٍ خُلّدت ولم تُنسَ.
حاولتُ مرارًا أن أقاوم هذا الحنين، فإذا به يزداد عنادًا كلّما حاولتُ صدَّه. لقد أخذني كما تأخذ الأوطان أسراها، غير أنّ أسرك كان أجمل ما كان. فشوقي إليك يزداد كلّما نظرتُ إلى طريقك، وكلّما أطلتُ النظر من نافذتي علّني ألقاك. فليس هذا الشوق نزوةَ قلبٍ عابر، بل هو شعورٌ لا يُقاس بالزمان، ولا يُحدّه المكان.
شوقي إليك، يا رفيق الزمان، لا يطفئه بُعدٌ، ولا تُخمِده المسافات. لقد غدوتَ لي فكرةً مقدّسة، ونورًا ألوذ به حين يطول ليل الوحدة. لو كنتَ أمامي، لأطلتُ النظر إليك سنين دون أن ترمش عيناي، ولو كنتَ أمامي لغسلتَ قلبي من كل ألمٍ وأحزان. ولو كنتَ أمامي لمددتُ يدي لأصافحك، وما أبعدتُها عن يدك لحظةً، حتى يأخذني الموت في أحضانه. غير أنّ الهواء بيننا لا يُنصِفني، فيرتدّ أنيني إلى صدري كعصفورٍ فقد وكره.
كيف أخبرك، من خلال هذه الورقة، أنّ وجنتَيَّ تتورّدان كطفلةٍ صغيرةٍ تفشي سرَّها للعطر؟
هل أكتفي بالصمت، لأنّ شوقي لا تُعرِّفه الكلمات، وتعجز عنه اللغات؟
يغيب طيفك حين يطول الليل، فلا أجد ملجأً ألوذ إليه. فحبّي لك ليس مجرّد شعور، بل هو قَدَرٌ رضيتُ به طوعًا، كما ترضى الزهرة بنورها وإن أحرّها الندى.
لقد علّمتَ قلبي كيف يحنّ، وجعلتَ وحدتي وطنًا لا يضجر. وإن طال غيابك، فقلبي لا يزال على عهده باقيًا؛ أراك ضوءًا يزور رقعتي الصغيرة، وأهمس باسمك كلّما مرّ النسيم.
سلامٌ عليك ما تعاقب الليل والنهار، وسلامٌ على الاسم الذي صار لقلبي وطنًا، وسلامٌ على الذكرى التي لا تموت.
المخلصة لك أبدًا…
شَوق
![]()
