الكاتب محسن البارودي
في محطات عمري المتناثرة، أبحث عن نفسي الضائعة، فلا أجد إلا المرآة وحدها.. هي التي تجمع شتاتي لتريني صورتي.
أقف أمامها وأسألها: “أهذا أنا؟”
فتجيء إجابتها بصوت حزين: “لست أنت.. ولا شبَه لك.”
لتقول لي: “أين وجه تلك الطفولة؟”
أهز رأسي وأقول: “وهل ثمة صوت لطفولة وطبول الحرب تدق؟ وهل صدقتِ أن طفولة كانت هنا؟ أتحدثين عن أحلام الطفولة أم عن زمن لم نعرف فيه سوى رائحة الخوف والوعود الكاذبة؟”
فتتأوه المرآة وتقول: “اعذريني.. لقد نسيت أنكم أطفال حرب.”
وتقول: “وماذا عن الشباب؟ كيف تقضيه؟”
فأجيبها: “شبابنا ضائع بين الوعي والجنون.. نمضيه في حنين إلى ماضٍ لن يعود، وخوف من مستقبل مجهول.. نمضي تائهين بين الدروب.”
فتهمس: “اعذريني.. نسيت أن هذه الأرض ساحة حرب، فكيف يزهر الشباب فيها؟”
أقول: “وأما الآن؟ نحن مرضى بلا دواء.. ودواؤنا الوحيد هو الأمل.. وأين الأمل في هذا الخراب كله؟ نحن كأوراق الخريف، تذروها الرياح حيث تشاء.”
فتقول لي المرآة في لوعة: “حطمني.. اكسرني.. حتى لا تعود إلي وتسألني.. أنا لا أجيد سوى الصدق.”
فأجيبها: “أنت خير من يبقى.. فالناس هنا اتخذوا الكذب عنواناً، وعقولهم الضيقة أوصلتنا إلى ما نحن فيه.”
![]()
