...
IMG 20251110 WA0047

 

الكاتب اليمني: محمد طاهر

 سيَّار الخميسي

رحلتَ ولم أحمل عليكَ عتبًا ولم أذرف عليكَ دمعًا، كما أنكَ لم تحزن حين تركتَ أصدقائك في شقاء الدنيا، وصعدتَ إلى حياة الخلود في دارٍ غير دارك التي كنتَ تسكن فيها.

 

وتركتَ طفلةً بريئةً نائمةً في بطن أمِّها، تنتظر قدومك بفارغ الصبر والشوق. كما أنَّ لك أهلًا وصحبًا يعيشون في شظف العيش وأزمة الحرب، يشقون في سبيل الحياة بكلِّ جهدٍ وتعب.

 

كما أنَّ لك إخوةً صغارًا لم تترك لهم الحياة شيئًا يسدُّون به رمقهم، ويعانون من الفقر والجوع الشديد. ووالدك العاجز عن كسب الرزق قد انحنى ظهره تحت وطأة الشدائد، وارتسمت على وجهه ملامح العجز والضعف والتعب.

 

وأمُّك التي لا يغيِّر قلبَها الزمنُ، لا تزال تحنُّ إليك، ولا يزال ولدها في عينيها صغيرًا، بل كبرتَ وكبر حبُّها لك أكثر وأكثر. تعدُّ الأيام والساعات التي قضيتَها في كنفها، وتتطلع إلى عودتك لتجلسك بين ذراعيها مرة أخرى وتملأ قلبها بحرارة اللقاء.

 

كما أنَّ لك طفلةً صغيرةً جاءت ولم تراك بعد، وأنت لم ترها. رحلتَ وهي نائمة في بطن أمِّها، تطلع إلى صورتك وتحدث أمُّها: متى يعود والديا؟ تقول لها: أبوك سيعود بالنصر، كما يعود كلُّ مجاهد يحمل هدايا النصر إلى أهله، ويبتهج الجميع بعودة المجاهدين وهم يحملون راية النصر والفتح.

 

كابدت زوجتُك ألم الشوق والفراق، تنتظرك لتعود وتلتقي بك بشرى مجيء طفلتك إلى الحياة. وهي سعيدة بأنَّها أصبحت أمًّا كبقية النساء المتزوجات اللواتي ينجبن البنين. صنعت الحلوى وتنتظر عودتك لتقيموا حفل ميلاد طفلتكما وتفكران في اسم لطفلتكما..

منذ ذهبتَ إلى القتال، والجميع يترقب عودتك أيها الفارس الشجاع متوجًا بالنصر والتمكين لكن لم تعد.

 

عاد المجاهدون يحلمون بالنصر ويحملون صناديق على أكتافهم، ولكنَّنا ظننَّا تلك الصناديق هي ما غنمتموه من الحرب أو ما بقي من السلاح. ولم تقف ساعةً واحدةً قبل النصر الذي عاش الجنود في كنفك وأمانك وتصديك للعدو، وذيدك عن الوطن.

 

بينيك وبين من عاد بالنصر بُعد ساعة_فأصبح بينكما الآن بعد الدار _وشطُّ المزار. لم تقضِ معهم فرحة النصر، كما لم يفرحوا بقطرة واحدة من دمائك الزكية.

 

من بعد قطرة دمك أقسموا أن لم يسفكوا دمعة واحدة في وداعك، حتى يتوجوا بالنصر كما أنت توجدتَ بالشهادة والخلود حيث النعيم المقيم والسعادة الأبدية. خرج الناس في ساحة النصر رافعين راية التهليل والتكبير، يصرخون بأعلى أصواتهم بالتكبير الله أكبر. وزغردت الأمهات اللواتي عاد إليهنَّ أبناؤهنَّ متوجين بالنصر والفتح المُبين.

 

سلامٌ على الشهيد الذي قاتل حتى لم يبقَ في يده سيفٌ يُقاتل به، لم يُهزم ولم يستسلم، بل ظل ثابتًا في مواجهة سهام العدو، وظهرت شجاعته في أروع صورها. حدثنا الناس عنك أنك بلغت من اليأس مبلغًا كبيرًا من هذا المجتمع الإنساني، حينما عجزت عن إصلاحه وتقويمه، فأصبحت تبغضه وتكره النظر إليه، وترى أن كل ما فيه يهدد مستقبل الأمة. لم تعد ترى له مستقبلًا، فقد تجاوزت نفسك حب الدنيا، وآثرت أن تبذل نفسك في سبيل الله. فكنت النور في ظلمات اليأس، والشجاعة في زمن الخوف، والفداء في سبيل الحق.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *