بقلم/ سارة عماد
هناك فترات في الحياة لا تُشبه الأخرى، فترات لا نستطيع أن نصفها بدقة، ولا نملك الشجاعة لنعلنها على الملأ، يُصيب فيها الإنسان نوعًا من العمى الداخلي، يرى كل شيء، عدا نفسه.
نستيقظ ونمارس حياتنا كما لو أننا بخير، نضحك في وجوه الآخرين، نجاوب عن الأسئلة المعتادة، ننجز أعمالنا في الوقت المحدد، لكن في العمق هناك شيء ينهار ببطء، شيء يتآكل من الداخل كجدار قديم ينخره الصمت.
ذلك هو الضياع، تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن روحه لم تعد تعرف الطريق، وأن قلبه يمشي بلا خريطة، وأنه أصبح زائرًا في حياته، لا صاحبها، ومع ذلك، يظل سؤال واحد يتردّد في صدورنا كلما اشتد الليل: كيف نعيد اكتشاف أنفسنا بعدما فقدناها؟
أولًا الاعتراف بأننا انكسرنا.
نحن لا نضيع دفعة واحدة، نحن ننكسر بالتدريج، لكنّ أشد أنواع الضياع هو ذلك الذي نخفيه تحت ابتسامة مرتّبة؛ لذلك إنّ أول خطوة للخروج من هذه المتاهة هي الاعتراف، أن نقف أمام مرآة أرواحنا ونقول بشجاعة: “أنا لست بخير؛ لقد تعبت، لم أعد أعرفني، وكل شيء صار أثقل من احتمالي.”
هذا الاعتراف ليس نهاية، بل بداية؛ فالجرح الذي نراه بوضوح، نستطيع تضميده، أمّا الجرح الذي نخبيه تحت صخب الأيام؛ فإنه يكبر حتى لا نعرف كيف نحمله.
فالضياع ليس فراغًا؛ بل امتلاء خاطئ.
امتلاء بالالتزامات، الكلمات المؤجلة، العلاقات المرهِقة، المحاولات الفاشلة، الخيبات التي لم نسمح لها أن تبكي بين أيدينا.
نعيد اكتشاف أنفسنا حين نبدأ بعملية “تنظيف داخلي”: نضع حدودًا للأشخاص الذين يستنزفوننا، ونتخلى عن الأشياء التي لم تعد تُشبهنا، ونترك مسؤوليات ليست لنا ونحمل فقط ما يخصّ روحنا، ونغلق أبوابًا كنا نخاف إغلاقها؛ فأنت لن تجد نفسك وأنت محاط بكل ما أضعت نفسك لأجله؛ ففي فترة الضياع، يخاف الإنسان من السكون، ويلجأ إلى الضجيج، إلى كل ما يجعله مشغولًا حتى لا يسمع نفسه، لكن الحقيقة أن كل الطرق التي تؤدي إلى الذات تمرّ بالصمت.
اجلس مع نفسك دون هاتف، ودون أحد، واسألها: ما الذي أوجعك؟
ما الذي يحرق قلبك حتى الآن؟
ما الذي تخشاه ولم تقل لأحد؟
وستتفاجأ بأن الإجابات لم تكن غائبة، بل كانت تبحث عن إذن لتخرج؛ فالصمت ليس فراغًا، الصمت مرآة.
ونحن لا نحتاج معجزة لنعود لأنفسنا، فقط نحتاج إلى ما كنا نفعله يومًا لنشعر أننا أحياء: قراءة كتاب يعيد ترتيب أفكارنا، أو نزهة قصيرة تشبه تنفسًا عميقًا، أو كوب قهوة في مرسى الذكريات مع كتابة صفحة واحدة، لا لننشرها، بل لنُفرغ النفس من ازدحامها.
هذه التفاصيل ليست ترفًا؛ إنها خيوط النجاة التي تعيد إلينا الشعور بأن بداخلنا إنسانًا ما زال يحاول الصمود.
ثانيًا: السماح لأنفسنا بالحزن دون أن نخجل منه، فأحد أسباب الضياع أننا نمنع أنفسنا من الحزن؛ فنختنق.
الحزن ليس ضعفًا، بل طريقة الروح في أن تعود خفيفة، فدع دمعتك تنزل، وقلبك يعترف بأنه موجوع، ودع الألم يمرّ من خلالك بدلًا من أن يبقى بداخلك؛ فالبكاء أحيانًا هو أوضح طريق نعود به إلى أنفسنا.
ثالثًا والأهم هو: بناء نسخة جديدة، لا استعادة النسخة القديمة، فبعد الضياع، نحاول العودة إلى ما كنّا عليه، لكنّ الحقيقة أننا لا نستعيد القديم؛ بل نخلق جديدًا، نخلق نسخة أكثر هدوءًا، أكثر فهمًا، أكثر نضجًا، نسخة تعلّمت أن لا تمنح قلبها إلا لمن يستحقه، وأن الحياة لا تطلب منا الكمال؛ بل الصدق.
أنت لا تعود كما كنت، أنت تعود كما أصبحت، وهذا أجمل.
فإعادة اكتشاف الذات هي بالفعل شجاعة، أن نبدأ شيئًا جديدًا، عادة جديدة، علاقة صحية، مشروعًا صغيرًا، طريقة حياة أهدأ، وكل خطوة مهما بدت بسيطة تعلن أننا لم نستسلم.
لا بأس أن تخاف، لكن لا بأس أيضًا أن تخطو رغم خوفك.
رابعًا يجب إدراك الحقيقة التي نُنكرها: أننا لم نفقد أنفسنا بالكامل، الحقيقة المؤلمة والجميلة في آن واحد هي الآتية: نحن لم نكن تائهين تمامًا، فقط كنا نبحث ولكنه بحث مؤلم.
ففي كل لحظة شعرت بها بأنك منهار، كانت في الداخل قوة صغيرة تقاوم بصمت، وفي كل ليلة انتهت بالبكاء، كان هناك جزء منك ينضج في الظلام؛ فنحن لا نعود لاكتشاف أنفسنا؛ بل نعود لسماع الصوت الذي كان يهمس لنا طوال الوقت: “ما زلت هنا، فقط ابحث عن نفسك أكثر.”
وفي النهاية إعادة اكتشاف أنفسنا بعد الضياع ليست رحلة سهلة؛ إنها رحلة طويلة، حزينة، لكنها تهدينا في النهاية نسخة أعمق وأكثر صدقًا منا، نتعلم فيها أن الألم ليس عدوًا؛ بل دليلًا، وأن الظلام الذي ابتلع أيامنا يومًا ما كان يهيئنا لنسخة لا تنهزم بسهولة، وفي اللحظة التي نقف فيها أخيرًا على أقدامنا، ونشعر بأن الهواء يدخل إلى صدورنا بلا وجع، نبتسم، لا لأننا عدنا كما كنّا؛ بل لأننا نجونا؛ ولأننا بعد كل هذه التيه، وجدنا الإنسان الذي تركناه في الداخل ينتظرنا بصبر، وقال لنا حين عدنا: “مرحبًا بك، لقد تأخرت، لكنك وصلت.”
![]()
