...
IMG 20251209 WA0048

 

الكاتبة وئام التركي

 

هناك لحظات تمرّ بنا كأنها تمتحن مقدار صبرنا، وتكشف ما خبّأته الأيام في ثنايا القلب.

لحظات لا تُعلن مجيئها، ولا تستأذن حين تُغيّر ملامح الطريق، لكنها تترك فينا أثرًا يشبه حكمة قديمة، لا تُقال بصوتٍ عالٍ.

 

أتأمل أحيانًا تفاصيل الحياة الصغيرة: خطوة هادئة في الصباح، ابتسامة غريبة من شخصٍ لا أعرفه، ضوء الشمس وهو ينساب على الجدار… فأدرك أنّ الجمال لا يصنع ضجيجًا، وأنّ السكينة تسكن أبسط الأشياء.

وأنّ القلب، مهما أثقلته الهموم، يعرف دائمًا كيف يجد نافذة يطلّ منها على الحياة.

 

تعلمتُ أن الفقد لا يأتي ليقتلع جذورنا، بل ليعلّمنا كيف نزرع من جديد.

وتعلمتُ أن الغياب ليس نهاية، بل مساحة نكبر فيها، ونتعلم كيف نرى العالم بعينٍ مختلفة.

وأنّ الحزن، مهما طال، لا يملك أن يحجب نورًا كُتب له أن يولد فينا.

 

نحن لا نقوى لأننا لا نسقط، بل لأننا ننهض كل مرة بطريقة أعمق.

ننهض وفي داخلنا حكمة لم نملكها من قبل، وصبرًا لم نكن نظن أننا نملكه.

هكذا تنضج الأرواح… في صمت، في خطوات متعثرة، في ليلة بكاء، وفي صباح ننهض فيه وكأن شيئًا لم يكن.

 

في رحلتنا هذه، نتعلم أنّ السعادة ليست حدثًا بعيدًا أو مفاجئًا، بل شعورٌ يطرأ حين نسمح للوقت أن يشفي جروحنا، حين نتوقف عن مقاومة ما لا نستطيع تغييره، وحين نحتضن اللحظة بكل ما فيها من بساطة.

فالأمل يكمن في نظرة جديدة، في كلمة طيبة، في صوت يعيد لنا الإحساس بأننا ما زلنا أحياء، قادرين على الحب، على التجاوز، على البدايات الجديدة.

 

أكتب لأصافح تلك القوة الهادئة التي تسكن كل امرأة، تلك التي لا تعلن انتصاراتها، لكنها تواصل السير بثباتٍ لا يُرى إلا لمن يقترب.

وأكتب لأذكر نفسي أنّ الطريق مهما طال، يظل يحمل وعدًا غير مرئي: وعدًا بأنّ الخير سيصل، وأنّ ما نبحث عنه قد يكون في أقرب نقطة من القلب.

 

وفي النهاية، أدرك أنّ الحياة ليست مرهقة لأنّها صعبة، بل لأنّنا غالبًا ننسى أن نمنح أنفسنا هدوءًا، أن نسمح لقلبنا بالراحة، وأن نحتفل بكل خطوة صغيرة قطعناها، مهما بدت تافهة.

فالسلام الحقيقي يبدأ حين نسمح لأنفسنا بالعيش مع كل ما مرّ بنا، حين نغلق بابًا على ألمٍ قديم، ونفتح نافذة على شعور جديد، وهكذا يكتمل النور فينا، ويستمر الطريق، وهنا يكمن جمال الروح.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *