...
IMG 20251014 WA0092

بقلم: فاطمة عبدالله

صرخ أحد المارة: “انتبه!”، وقد انتبه، ولكن بعد فوات الأوان.

وعلى الطريق تبعثرت أوراق نقدية بالية، ملوثة بدماء المعاناة.

كان يسير بخطى متثاقلة، واهنة، بمحاذاة الرصيف. تجول برأسه هموم لا حصر لها، بذهن شارد، شرع بعملية حسابية معقدة.

أمسك بكلتا يديه حفنة أوراق نقدية كان يقلبها بقلق واضح على تقاسيم وجهه الشاحب المرهق. ملامح البؤس والشقاء تجسد صورة حاله:

حذاؤه المهترئ، قميصه المجعد غير المهندم، بنطاله القديم، وشعره غير المرتب. هيئته عنوان لما يعتمل بداخله من يأس وبؤس.

همس لنفسه:

“ما العمل؟ ماذا أفعل؟ كيف سأُسدد كل هذه الديون من كل حدب وصوب؟”

تذكر وصية زوجته هذا الصباح: “اجلب معك الدواء”، فانقبض قلبه وزفر زفرة حارة. “يا إلهي، كيف نسي فلذة كبده وقد تركه طريح الفراش؟ أمعقول أن ينسى أمرًا بتلك الأهمية؟”

زفر ثانية بضيق، وفور تذكره لابنه المريض أتاه صوت ابنته قبل أن يدلف من الباب: “ما تنسَ يا بابا، أريد حلوى وأريد تلك الدمية التي وعدتني بها”.

ونظرت إليه بعينين مملوءتين بعتاب طفولي بريء: “ألم توعدني بها؟ أريدها مثل التي عند ميمي”.

هز لها رأسه موافقًا على طلبها، ولم يجرؤ على وعدها، فقد انعقد لسانه أمام عجزه وحبه لتلك العينين. خرج مكتئبًا عابسًا، وعصفت الهموم برأسه، وتزاحمت الأفكار بعقله، كأنما أصابه صمم مفاجئ.

الصخب والضوضاء الصادرة من أصوات المارة والبائعين وأبواق السيارات جميعها لا يسمعها، كأنه في عالم آخر، عالم به فصيلة أخرى من البشر، بشر بلا أفواه ولا آذان، عالم لا حياة به ولا موت، فقط سكون وصمت رهيب.

سار بلا هدنة، بلا أمل، بلا وجهة معينة. كان فقط يسير ولا يريد التوقف، كانت الحركة تخفف ثقل همومه. انطلقت أبواق السيارات بصوت يصم الآذان، لم يكترث لها. تارة يمشي بمنتصف الطريق وتارة أخرى ينتقل للجانب الآخر. لم يكن ينظر حوله، شروده أعماه وأصابه بالصمم.

وتمدد الجسد الواهن بلا حراك، غارقًا بلون أحمر قانٍ يروي قصة قلب كان ينبض بكل ألم الدنيا. وبين لحظة سنا ضوء خافت وعتمة الأبدية، رأى فيما يرى النائم أطفالًا يتراكضون هنا وهناك على أديم أرض مخضرة يانعة، تملأ ضحكاتهم المرحة المكان. على أنغام خطاهم الصغيرة تراقصت أزهار البنفسج الملتفة حول خصر حسناء بارعة الجمال، على خديها عشق أطياف قوس قزح، وعلى أهدابها نامت أحلام عجوز هرم يودع سني عمره الراحل. أهدتها الشمس خصلات من الذهب لتكتمل الروعة. داعبت وجهها نسمات رقيقة لطيفة كقطرات ندى على شفاه البنفسج الولهان. وعلى الأفق البعيد غيمة عابرة بهتت بهذا الجمال الأثر فطبعت قبلة ندية على خد الأميرة النائمة. صفقت غيمات فرحة كانت تراقب المشهد من علٍ، وسمت الأرواح وامتزجت، وعزف الحب سيمفونية الخلود.

وقبل اكتمال العتمة وحلول الظلام النهائي، ولأول مرة منذ زمن طال واستطال، لم تتبدل ملامح وجهه العابس، بل ارتسمت عليه ملامح منبسطة الأسارير، هادئة، هانئة. بدت على محياه نضرة وضيا، وارتسمت ابتسامة رضا على ثغر المعاناة، وردد بقلبه: “لا شيء يستحق العناء، لا شيء… الحب هو الحياة”.

ودقت الأكف بالأكف، ودمعت الأعين، واستراحت الروح بنوم عميق لم تحظَ به منذ سنوات خلت.

وعادت الضوضاء وصخب هدير محركات القطار. ها هو ذا ينطلق مسرعًا لا يلوي على شيء، يتوقف ساعة تلو الأخرى بمحطاته ليخط على صفحات الزمان قصص ألف ليلة وليلة، ثم يواصل مسيرته وصدى صافرته يذكرنا بحتمية مواصلة المسير، وإلا سيتركنا حيث نحن نعاني رهق الانتظار.

وها أنذا توقفت هنيهة لأسترد أنفاسي، فقد ركضت ألحق بالقطار الهادر حينما تأخرت بتلك المحطة التي زلت بها قدماي فلم أستطع السير. وبعد صراع طويل مع الدرب الوعر أخيرًا وصلت. وبينما ألتقط أنفاسي لمحت وجهًا مطلًّا من نافذة القطار، وجهًا جميلًا تسمرت عيناي على محياه ونسيت ركضي وتعبي. فهل تلك بداية قصة محطة أخرى؟ حكاية ابتسامة قادمة من سفر طال مداه… أم هل يا ترى أستقل قطاري وأرتحل؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *