بقلم : إسماعيل أبوزيد
ابتعتُ بطيخة من بائع متجوّل في إحدى الدول العربية، نعم… بائع بطيخ بسيط، يقف في مكانه بترخيص من البلدية، لا يشغل الطريق، ولا يضايق المارة، والأعجب من هذا كله أنّه يمتلك جهاز نقاط بيع إلكترونية! حاسبته بكارت البنك، مضيت وأنا مندهش من الاحترام للناس والمدينة.
اليوم، وأنا في طريقي للعودة إلى منزلي بالقاهرة، حدث ما لم أتوقعه… ضللت الطريق.
نعم، ضللت.
فعيوني اعتادت التلوّث البصري على الطريق الرئيسي المؤدي لمنزلي، حتى أنّني حين مررت اليوم ووجدت سيارات الحي تزيل الإشغالات وتطرد الفوضى من الأرصفة… لم أعرف المكان!
تجاوزتُ الطريق، ثم عدت لأتأكد:
هل هذا هو؟
نعم… هذا هو الطريق نفسه، لكنّه عاد إلى صورته الأصلية التي لم أرها منذ سنوات.
الأرصفة صارت سالكة، الدكاكين أعادت بضاعتها إلى الداخل، الباعة المتجولون الذين كانوا يحتلون قلب الشارع اختفوا، والصخب هدأ.
ترجّلتُ لبرهة… ومشيت.
ولأول مرة منذ عام – وربما أكثر – شعرتُ بالبراح، بسعة الصدر، بفسحة الطريق.
اعتدنا على الفوضى إلى درجة أنّ المشهد الطبيعي صار غريبًا علينا!
كم أتمنى أن تُمحى تلك الصورة المشوّهة من ذاكرتنا، وأن يبقى هذا البراح… ثم نزرع الأشجار على جانبي الطريق. يا له من حلم لو تحقق…
وأسمعك الآن، أنت الذي تصيح دائمًا بالجملة التي صارت شماعة لكل فوضى:
“سيبوهم يسترزقوا!”
حسنًا…
وماذا عن ملايين الناس الذين يعانون ضيق الطرق وتكدس المرور وتلوّث الشوارع؟
ثم إن خلف كل شارع سوقًا كاملًا من المحلات المنظمة… فلماذا افتراش الطريق؟ لماذا لا يستأجر البائع محلًا صغيرًا ويبدأ بداية محترمة؟ لماذا لا يستخرج التصاريح اللازمة ويعمل بشكل رسمي؟
لا عذر سوى الفهلوة… والعشوائية.
نحن لا نحارب “الرزق” بل نحارب الفوضى.
ونحتاج صحوة حقيقية في هذا الملف الذي يشوّه حياة الملايين.
نحتاج توعية، وأن يُوزَّع الباعة على أماكن محددة وآمنة، مع متابعة أسبوعية صارمة… والضرب بيد من حديد على يد كل مخالف، وتغليظ العقوبات على من يكرر الخطأ.
نحن نستحق ذلك.
كل مواطن يستحق أن يمشي في شارع نظيف، بلا عشوائية… بلا فوضى… بلا تلوث بصري يخنق الروح قبل الطريق.
![]()
