الكاتبة عاليا عجيزة
يحكى دائماً عن ذاك المكان المهجور بالقرب من ذلك المنزل حيث لم يجرؤ أحد على السير بقربه، هل تلك الحكايات حقيقة أم أنها إشاعات أم مجرد خيال من عقول مريضة؟!
كل يوم تذهب إلى مكان عملها من ذاك الطريق، ترتاد السيارة الأجرة في السابعة صباحاً، تقطع هذا الطريق ذهاب وإياب، لم ينتابها أي شك أو فضول لذلك المنزل قط، تصل وجهتها تقضي ساعات في أنشطة مهنتها فهي طبيبة في المشفى الوحيد في الحي حيث تقيم.
تنتهي فتذهب للعودة إلى بيتها مرتادة نفس ذات السيارة، وتمر أيام على نفس النهج اليومي، حتى اليوم الذي يتغير به كل شيء، ففي هذا اليوم بالذات اضطرت أن تمكث في المشفى طوال الليل بسبب عملها مما يجعلها تترك المكان في ساعة متأخرة من منتصف الليل، تأخذ حقيبتها وتذهب تقف بعض الوقت تأمل أن تجد أي عربة أو مواصلة تعيدها للمنزل.
بعد دقائق من الانتظار تحت ضوء أعمدة الإنارة الباهت، لم يظهر أثر لأي سيارة أجرة. كان السكون يلف الحي ككفن ثقيل، والهواء يحمل برودة غريبة لم تعهدها من قبل. قررت “ليلى” أن تسير؛ فالمسافة ليست مستحيلة، والطريق الذي تقطعه يومياً بالسيارة يبدو مألوفاً… أو هكذا ظنت.
مع كل خطوة، كان صدى حذائها على الأسفلت يبدو مرتفعاً بشكل يثير القلق. حين اقتربت من تلك الزاوية، حيث ينحني الطريق ليجاور “المنزل المهجور”، شعرت بانقباض في صدرها. هناك، خلف الأسوار الصدئة والأشجار التي تشابكت أغصانها كأصابع عملاق، انطفأت أنوار الشارع فجأة.
توقفت ليلى. لم تكن تؤمن بالأساطير التي يتداولها الجيران، كانت ترى في قصص “الأرواح” و”العقول المريضة” مجرد وسيلة لقتل الملل في حي هادئ. لكن الآن، وهي تقف وحيدة أمام البوابة الضخمة، بدا المنزل مختلفاً. لم يكن مجرد بناء قديم، بل بدا وكأنه يتنفس.
لمحت ضوءاً خافتاً ينبعث من النافذة العلوية. “مستحيل،” همست لنفسها، “المنزل مقطوع عنه التيار منذ عقود”. بدافع من مهنيتها التي تحتم عليها مساعدة أي كائن في خطر، أو ربما هو الفضول الذي استيقظ فجأة بعد سنوات من السبات، وجدت قدميها تقودانها نحو البوابة التي كانت مواربة بشكل يدعو للريبة.
ما إن خطت داخل الحديقة، حتى شعرت بتبدل في حرارة الجو؛ كان الهواء هنا دافئاً بشكل غير طبيعي، ورائحة الياسمين تفوح بقوة تفوق قدرة الزهور الذابلة. تقدمت نحو الباب الخشبي الذي انفتح قبل أن تلمسه، وكأنه كان ينتظر وصولها.
في الداخل، لم تجد غباراً ولا خيوط عنكبوت. بل وجدت رواقاً طويلاً مضاءً بشموع لا تنطفئ.
وفي نهاية الرواق، رأت ظلاً يتحرك. نادت بصوت مرتجف:
“هل من أحد هنا؟ أنا طبيبة، هل يحتاج أحد للمساعدة؟” جاءها الرد بصوت هامس يبدو وكأنه يصدر من الجدران نفسها: “لقد تأخرتِ يا دكتورة، الموعد كان منذ سنوات”.
تسمرت ليلى في مكانها حين رأت على طاولة خشبية قديمة صورة مؤطرة ببرواز ذهبي. لم تكن صورة لغريب، بل كانت صورتها هي، بنفس المعطف الذي ترتديه الآن، وبنفس الحقيبة. وبجانب الصورة، كان هناك تقرير طبي قديم يحمل تاريخ الليلة… لكن قبل عشرين عاماً.
في تلك اللحظة، استرجعت ليلى شريط ذكريات لم تكن تملكه؛ حادثة سيارة الأجرة التي تلاشت من ذاكرتها، الطريق المظلم، والاصطدام الذي حدث تماماً أمام هذا المنزل. أدركت ليلى أن “النهج اليومي” الذي كانت تعيشه لم يكن حياة، بل كان تكراراً أبدياً لروح رفضت التصديق.
لم يكن المنزل مهجوراً من البشر فحسب، بل كان هو “المشفى” الحقيقي الذي ظلت تحاول الوصول إليه كل ليلة. ومع أول خيط من خيوط الفجر، بدأ المنزل يتلاشى، وبدأت ليلى تدرك أن الحكايات لم تكن إشاعات، ولم تكن خيالاً لمجانين، بل كانت الحقيقة التي هربت منها طويلاً: هي لم تكن تمر بالمنزل، بل كانت جزءاً منه.
![]()
