...
IMG 20260421 WA0018

 

الكاتبه إيمان شلاش

 

كان يومًا مميزًا، الجميع منشغلون بالتجهيز للحفلة، وصوت الضحك والزغاريد يملأ المكان. كانت والدتي تنظر إليّ بفرحٍ وغصّة؛ كانت تخاف إن تزوّجتُ أن أنساها ولا أسأل عنها، أو ربما تشعر بأنها ستفقدني.

أما أنا، فكانت فرحتي منقوشة على كلّ ملامح وجهي: فستان جميل، وتسريحة شعر مميزة، وكوافيرة كانت على وشك أن تُجنّ من كثرة طلباتي.

لكنني في النهاية سعيدة؛ اليوم هو يوم خطوبتي على من اختاره قلبي، وتمنّيت أن أكون زوجته منذ زمن طويل. وكما يُقال: كلّ ما تفكّر فيه هو أيضًا يفكّر فيك، وكلّ ما تريده هو أيضًا يريدك.

كيف رتّب القدر هذا اللقاء؟ وكيف سارت القوافل بما أشتهي؟

لا أعرف، لكنني في النهاية حصلتُ على ما حلمت به.

اقترب موعد قدومهم، وكلّ شيء في المكان يهتف: “قد حان قدوم أيامك السعيدة…”

رنّ الجرس.

ارتبكت يداي، وشعرتُ وكأن قلبي يدقّ بسرعة كبيرة.

ذهب أخي ليفتح الباب، ووقف الجميع كي يستقبل الضيوف…

لكنه عاد وحده.

شعرتُ بالتوتر: ما الذي حصل؟

هل ضلّوا الطريق، أم أنهم لن يأتوا؟

نظر إليّ أخي بسخرية وقال: “لا تخافي، سيأتون، لن يختفي حلمك بالزواج من ذلك الطبيب المعتوه.”

شعرتُ بالراحة بعد هذه الكلمات، فذلك “المعتوه” هو من اختاره قلبي. لا يهمني إن كان ينال إعجاب الجميع أم لا… المهم أنه يعجبني.

قلت له: “من في الباب؟”

فأجابني أخي: “ساعي البريد… يقول إن هناك رسالة لكِ، ويجب عليكِ توقيع وصل الاستلام.”

ذهبتُ واستلمتُ الرسالة، وعدتُ إلى مكاني في واجهة الغرفة كي يروني بكل أناقتي ووقوفي وشموخي.

نظرتْ والدتي إليّ بتعجّب: “من أرسل هذه الرسالة لكِ؟”

كدتُ أنسى من كثرة قلقي وتوتري… نعم، هي لي، لم أرَ بعد.

نظرتُ إلى الرسالة بعيونٍ متسارعة… لا يبدو شيءٌ مهم.

رميتها على الطاولة، فانقلبت، وظهر اسم المرسل.

لحظة… ماذا؟

هذا اسمي؟ يبدو أن موظفي البريد أغبياء!

لقد كتبوا اسمي في جهة المرسل…

إذًا من هو المُرسَل إليه؟

انتابني الفضول لأقرأ ماذا سيكون محتوى هذه الرسالة.

من الذي سيرسل لي رسالة في ليلة خطوبتي؟

فتحتُها، ولم أكن أعرف أن ما خفي بين سطورها سيغيّر حياتي.

الرسالة:

“مرحبًا،

يا أنا…

نعم، لا تستغربي، أنا أنتِ… لكن بعد عشرين سنة.

أودّ أن يكون ساعي البريد قد أسرع في توصيل هذه الرسالة إليكِ قبل وقوع المصيبة عليكِ!

إذا لم تتم الخطوبة بعد، فعليكِ أن تهربي من ذلك المختلّ عقليًا. لا تتعجّبي، هو كما كان يقول لنا أخي: معتوه.

نعم، معتوه!

سيجعلكِ تتمنين الموت، وسيحوّلكِ إلى فأر تجارب في حقله العلمي الفاشل…

اهربي قبل أن يتحوّل جسدكِ إلى ساحة تجارب، ويتحوّل صغاركِ إلى مرضى نفسيين بسبب والدهم.

اهربي!

وإذا تأخّر ساعي البريد في إيصال رسالتي، وقرأتِها بعد أن تمّ عقد القِران، فكلّ ما أستطيع قوله لكِ:

ودّعي أخاكِ جيدًا…

ستشتاقين له كثيرًا بعد أن ينهي حياتَه زوجُكِ المعتوه.”

نزلتْ هذه الرسالة كالرصاص على قلبي…

لا يمكن أن يكون ذلك حقيقيًا!

أنا… بعد عشرين عامًا؟

يبدو أن هناك من دبّر لي مقلبًا…

لكن هذا خطّي… وهذا توقيعي!

ماذا عليّ أن أفعل؟

وبينما أنا غارقة في التفكير، كيف سأستطيع الخروج من هذه المصيبة؟

إمّا الهروب وسمعة أهلي تُهان،

أو… موت أخي!

قاطع تفكيري صوت أخي:

“أهلًا بصهرنا… تفضّل.”

تجمّد جسدي في مكاني…

لم أعد أسمع شيئًا، لا ضحكات، ولا زغاريد، ولا حتى دقّات قلبي.

كلّ ما كان يتردّد في داخلي هو صوت تلك الرسالة…

“اهربي…”

رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ نحو الباب…

كان واقفًا هناك.

بنفس الابتسامة التي أحببتها يومًا…

لكنني، ولأول مرة، رأيتُ فيها شيئًا آخر…

شيئًا مظلمًا لم أنتبه له من قبل.

تقدّم نحوي بخطواتٍ واثقة، بينما الجميع يرحّب به،

أما أنا… فكنت أراه كأنني أراه للمرة الأولى.

اقترب أكثر…

ابتسم… وقال:

“اشتقتِ لي؟”

تراجعتُ خطوةً إلى الخلف دون وعي.

يداي ترتجفان…

وعيناي لا تفارقان عينيه.

هل أهرب؟

أمام الجميع؟

وأحطم كل شيء؟

أم أبقى…

وأخاطر بكل ما قرأته؟

في تلك اللحظة…

تذكّرت أخي.

ضحكته…

مزاحه…

كلماته قبل قليل.

“لن يختفي حلمك…”

لكن… ماذا لو كان هو من سيختفي؟

شددتُ على الرسالة في يدي…

ثم… فجأة…

مزّقتها.

تناثرت الأوراق كأنها لم تكن.

ابتسمتُ… ابتسامة باهتة…

وتقدّمت نحوه.

صافحته…

وسط تصفيق الجميع…

وقلت في داخلي:

“سأجرّب… ربما يكون المستقبل كاذبًا.”

بعد عشرين عامًا…

كانت الغرفة باردة…

والصمت يملؤها.

جلستُ على الكرسي، أراقب يدي المرتجفتين…

آثار الإبر لا تزال واضحة.

ضحكتُ… ضحكةً باهتة…

وأنا أنظر إلى المرآة.

لم أعد أنا.

التجارب…

الألم…

الخوف…

كلّ شيء كان حقيقيًا.

نهضتُ ببطء…

وتقدّمت نحو الطاولة.

التقطتُ ورقة…

وقلمًا…

وبدأتُ أكتب:

“مرحبًا،

يا أنا…”

توقّفتُ لحظة…

وعيناي امتلأتا بالدموع.

ثم أكملت:

“أرجوكِ… اهربي.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *