المحررة: زينب إبراهيم
من أرضٍ عرفت بعمق الحكايات وصدق المشاعر، ومن وطن يحمل في تفاصيله عبق الأصالة والقوة، تطل علينا كاتبتنا السودانية بصوت أدبي يحمل بين سطوره الكثير من الإحساس والتجربة.
هي ليست مجرد كاتبة تنثر الكلمات على الورق بل روح اختارت أن تجعل من الحرف وطنًا ومن الأدب نافذة تُطل منها على الحياة والإنسان.
في هذا الحوار نقترب أكثر من عالمها الخاص من بداياتها وشغفها ومن تلك المسافات التي قطعتها بين الألم والأمل حتى صنعت لنفسها حضورًا يليق بصوتها الأدبي رحلة ممتعة بين الفكر والشعور نرافقكم فيها مع واحدة من الأقلام السودانية المميزة.
الاسم: مريام النصر
اللقب: الكاتبة المجنونة
العمر: 26
المؤهل: بكالوريوس في تقنية المعلومات
البلد: السودان
الهوايات: الكتابة، القراءة، الاستماع إلى الموسيقى القديمة، التأمل، و مراقبة الحياة بصمت
بعيدًا عن السيرة التقليدية، من أنتِ حين تضعين الألقاب جانبًا؟
أنا أنا… بلا زينة، بلا تعريفات.
الاسم واللقب مجرد ضوضاء، والسن مجرد رقم يمرّ.
أنا قطعة من صمتٍ يتجول في الحياة، أراقب، أستمع، أكتب، وأغلق النوافذ حين يشتد الضجيج.
إن كانت حياتكِ لوحة، فما الألوان التي تمثل شغفك خارج عالم الأدب؟ وهل لكِ مساحات أخرى تهربين إليها؟
ألواني ليست ألوانًا فقط…بل هي نبضات الضوء التي لا تصل إلى القماش، هي صمت الليل حين يُسحب عن الأرض كل ضوء.
ألوان داكنة، لكنها تتوهج حين يختبئ الضوء.
أحمر الغضب، أزرق الانتظار، أسود التأمل، وبياض الفراغ الذي يتيح لي أن أتنفس.
أما الهروب… فالهواء الصافي، الموسيقى القديمة، والنوافذ المظلمة حيث يمكن للخيال أن يتجول بحرية، هي مساحتي الآمنة.
ماذا تمثل لكِ الكتابة: ملاذ، اعتراف، أم مواجهة صامتة مع الذات؟
الكتابة كل ذلك وأكثر… مرآتي، سجني، وطريقي في الوقت نفسه.
ملاذ حين أحتاج للهرب، اعتراف حين لا أملك صوتًا، ومواجهة صامتة مع نفسي حين أكتشف أنني أحيانًا أخدعها.
متى كانت اللحظة الأولى التي أدركتِ فيها أن الكلمات لم تعد مجرد هواية بل قدر؟
حين بدأت الكلمات بالرد عليّ قبل أن أبدأ أنا بالحديث، حين أصبح صمتي أكثر وضوحًا من كل الأصوات من حولي، و حين شعرت أن الفراغ الذي في داخلي يصرخ إن لم أكتب.
لو طلبنا منكِ أن تختاري نصًا واحدًا يمثل روحكِ، ماذا ستكتبين لنا الآن؟
سأكتب عن الرماد، الذي يُطاردني لا ليهلكني، بل ليعيد ترميمي من جديد.
هذا هو الشيء الذي يُشبهني لأنه يترك أثرًا في الهواء، أكثر من أن يُقرأ.
بين أعمالكِ الأدبية، أيها يشبهكِ أكثر، وأيها وُلد من ألم لم يُحكَ؟
أقرب نص إليّ… هو نصّ كتبته من عمق الرماد الذي أحمله داخلي:
(أنثى الرماد
لم أُعد من طينٍ ولا من نور، بل من رمادٍ ظلّ يتقد في صمتي.
أنا تلك التي مشت على الحطام دون أن تئنّ، نهضت من اشتعالها وابتلعت النيران.
في عيوني رماد مدنٍ سقطت، وعلى شفتيّ رمق الكلمات التي لم تُقال.
كلما أطفأوني، عدتُ بهدوء… كأن النيران كانت تُعيد تعريفي.
لم أُولد لأُرى، بل لأُحسّ، أن يُلمس وجعي من بين السطور لا من الصور.
أنا أنثى الرماد… لا دخان يسبقني، ولا لهبٌ يكفيني.
يحسبونني هشّة… لكنهم لا يعلمون أن الرماد لا يحترق مرة أخرى.
كل ندبة في قلبي لا تطلب تفسيرًا، بل احترامًا لصمتي الطويل.
أجيد التجلّد، وأتقن دفن الأسى تحت رماد الابتسام.
وحين يُقال: “انتهت”، أبتسم… لأنني في كل انطفاء أبدأ.
أنا التي كتبتها النيران، ووقّعت على حوافها الريح… أنا، لا تشبهني نجاتكم.
أنا أنثى الرماد…
نهضتُ من حريقٍ ظنّه الجميع مقبرة، فكنتُ الجمر الذي لا يخمد،
والظلّ الذي لا يُكسر، والصوت الذي يعود كلما حاولوا دفنه.
لا أحتاج ضوءهم، فأنا التي تعلّمت أن تشتعل وحدها في العتمة.
ولستُ بحاجة لمن يفهم رمادي… يكفيني أنني، كلما بعثرتني الحياة، جمعتُني بصمتي وعدت.
أنا أنثى… لا يراها الجميع، لكن من رآها لن ينساها أبدًا.)
أما الألم الذي لم يُحكَ… فهو ما ينتظرني دائمًا بين السطور، يختبئ في المساحات البيضاء التي لم أملأها بعد.
ما العمل الذي ترينه الأقرب إلى الكمال من وجهة نظرك حتى الآن؟ ولماذا؟
لا أؤمن بالكمال…
لكنه أقرب شيء للكمال بالنسبة هو صدق كتاباتي الذي يشعرني أنني خرجت من نفسي، وأن قارئًا ما قد شعر بنفس الفراغ الذي شعرت به.
كيف ومتى اكتشفتِ صوتكِ الخاص في الكتابة وسط هذا الضجيج من الأقلام؟
لم أكتشفه… لقد وجدني فجأة، حين توقفت عن محاولة الإقناع، حين تركت اللاوعي يرشد يدي، حين تعلمت أن أكتب بصوتي بلا رتوش ولا تزييف.
في رحلتكِ من كان اليد التي أمسكت بكِ حين كدتِ تتعثرين؟
ربما كانت أنا نفسي.
أحيانًا يكون الإمساك باليد مجرد وهم، وأحيانًا تكون العثرة هي المعلم الحقيقي.
هل يمكن أن تفتحِي لنا باب أحد كتبكِ، وتتركي لنا لمحة من عالمه؟
ما زلت احتفظ بكتبي بعيدًا عن العالم، لكن باب نصوصي مفتوح دائمًا…
هناك، ستجدون صمتًا يصرخ، ألوانًا تتهرب من لوحتها، كلمات تحاول الفرار من الورق، وأرواحًا تبحث عن ضوء لم يصل إليها بعد.
النقد ذلك الوجه الآخر للإبداع، ما أقسى ما وُجّه إليكِ؟ وكيف حوّلته من عثرة إلى دافع؟
أقسى شيء كان الاستخفاف بفراغي واللاوعي الذي يمتلكني، باعتباره عدم موهبة أو ضعف لكني حوّلت ذلك إلى دافع لأكتب عن الإبداع نفسه، لأجعله حيًّا، محسوسًا، ذا صوت، حتى يصبح أقوى من كل كلمة موجهة لي.
ماذا تخبئين للمستقبل؟ هل هناك مشاريع تنتظر أن ترى النور قريبًا؟
نصوص تنتظر الليل ليخرج إلى الضوء، مشاريع تحمل وجوهًا صامتة… ستظهر حين يحين الوقت.
لمن يقف الآن على بداية الطريق خائفًا ماذا تقولين له قبل أن يخطو؟
اكتب… حتى لو بدا الصمت صديقك الوحيد.
الكلمة الأولى ليست النهاية، بل بداية الطريق الذي تصنعه لنفسك.
كل حرف يولد صوتك، وكل نص يعيدك إلى ذاتك… لا تنتظر إذنًا لتكتب.
بعد هذا الحوار، كيف تصفين تجربتكِ معنا بكلمة واحدة؟
مرآة.
وأخيرًا كيف ترين مجلة الرجوة الأدبية؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها لها؟
مجلة الرجوة الأدبية هي مساحة للصمت والكلمة، حيث تنبض النصوص الصامتة بصوتها الحقيقي.
رسالتي: استمروا في فتح الأبواب للفراغ، ففي الفراغ يولد الإبداع ويصنع الصوت الذي لا يُنسى.

![]()
