...
IMG 20260602 WA0066

الكاتبه أمل سامح 

 

 

هناك أوجاع تترك أثرًا على الجلد، وأوجاع أخرى تترك أثرًا على الروح. الأولى قد تلتئم مع الوقت، أما الثانية فقد تعيش داخل الإنسان سنوات طويلة، مختبئة خلف ابتسامة متعبة أو صمتٍ لا يلفت انتباه أحد. والعنف الأسري واحد من تلك الجروح الخفية التي لا يراها الناس، لكنها تفتك بصاحبها كل يوم.

 

حين نسمع عبارة “العنف الأسري” يتبادر إلى أذهاننا الضرب والإيذاء الجسدي، لكن الحقيقة أكثر اتساعًا وأشد قسوة. فالكلمة الجارحة التي تُقال يوميًا، والإهانة التي تُكرر حتى تصبح جزءًا من حياة الضحية، والتخويف، والتحكم، والحرمان من الأمان العاطفي… كلها أشكال من العنف قد لا تترك كدمات على الجسد، لكنها تترك ندوبًا عميقة في النفس.

 

المؤلم في العنف الأسري أنه لا يأتي من غريب. لا يطرق الباب من الخارج، بل ينمو داخل البيت نفسه، في المكان الذي يفترض أن يكون الملاذ الأول للإنسان. فكيف يشعر الطفل بالأمان حين يخاف من العودة إلى منزله؟ وكيف تنام امرأة مطمئنة وهي تعلم أن خلف الباب شخصًا قد يحطم روحها بكلمة أو فعل؟ وكيف يكبر شاب وهو يسمع منذ طفولته أنه لا يساوي شيئًا؟

 

البيت الذي يغيب عنه الاحترام يتحول من وطن صغير إلى سجن كبير. وقد يعتاد الضحايا الألم إلى درجة أنهم يتوقفون عن الشكوى، ليس لأنهم بخير، بل لأنهم فقدوا الأمل في أن يسمعهم أحد. يصبح الصمت وسيلة للبقاء، وتتحول الدموع إلى عادة يومية لا يلاحظها أحد.

 

الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة في هذه المأساة. فهم لا يفهمون أسباب الصراخ ولا دوافع العنف، لكنهم يحملون آثاره معهم إلى المستقبل. يكبر بعضهم وهو يعتقد أن الحب مرتبط بالخوف، وأن القسوة جزء طبيعي من العلاقات. وهكذا تنتقل الجراح من جيل إلى آخر، لا بالوراثة، بل بالتجربة المؤلمة التي لم تجد من يداويها.

 

والمأساة الأكبر أن كثيرًا من الضحايا يلقون اللوم على أنفسهم. يعتقدون أنهم السبب في الإهانة أو الضرب أو القسوة، بينما الحقيقة أن العنف لا يبرره خطأ، ولا يمنحه أي إنسان حقًا في إيذاء إنسان آخر. فالمحبة لا تُقاس بالسيطرة، والاحترام لا يُفرض بالخوف، والأسرة لا تُبنى على الألم.

 

العنف الأسري لا يقتل دائمًا جسدًا، لكنه قد يقتل أحلامًا وثقةً بالنفس وشعورًا بالاستحقاق. قد يجعل إنسانًا يعيش عمره كله وهو يحاول إصلاح كسر لم يتسبب فيه. وقد يحرم شخصًا من أبسط حقوقه: أن يشعر بالأمان بين أهله.

 

ورغم كل هذا الظلام، تبقى الحقيقة الأهم أن النجاة ممكنة. فكل صوت يرفض الصمت هو خطوة نحو الشفاء، وكل يد تمتد للدعم قد تنقذ حياة كاملة. لأن الإنسان خُلق ليعيش في بيئة تمنحه الطمأنينة لا الرعب، والحب لا الإهانة، والاحتواء لا العنف.

 

في النهاية، ليس أكثر وجعًا من أن يتحول البيت إلى مصدر للخوف، وليس أكثر إنسانية من أن نعيد إليه معناه الحقيقي: مكانًا تُرمم فيه الأرواح بدل أن تُكسر، وتُصان فيه الكرامة بدل أن تُهان. فالعنف الأسري ليس مجرد مشكلة عائلية تُغلق عليها الأبواب، بل مأساة إنسانية تستحق أن تُسمع حكايات ضحاياها، وأن يُكسر الصمت الذي طال حولها كثيرًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *