...
IMG 20260602 WA0071

بقلم / فتحى عبدالحميد 

 

يحكى أن إمبراطورا قديما كان مولعا بالحجارة أكثر من البشر

كلما نظر إلى الأفق ورأى فراغا أمر ببناء سور وكلما خاف من عدو بعيد أضاف إلى السور طبقة جديدة من الطوب والصخر وكان يظن أن الأمم تحتمي بما ترفع من جدران لا بما ترفع من عقول

ومرت السنوات

فكبر السور حتى صار كأنه أفعى حجرية تلتف حول البلاد من أقصاها إلى أقصاها وكان الناس يقفون أمامه مبهورين بعظمته لكن أحدا لم يسأل يوما عن المدارس التي لم تبن ولا عن العقول التي ذبلت في الظل ولا عن العلماء الذين غادروا وهم يحملون في صدورهم أوطانا كاملة لم تجد من يصغي إليها

وفي ليلة من ليالي التاريخ الطويلة

لم يسقط السور

بل سقط الذين يقفون خلفه

فالجدران لم تهزم أحدا قط أما الجهل فقد هزم أمما بأكملها

وكانت المأساة أن الخطر الذي خافوا منه لم يأت من وراء الحجارة بل خرج من بين الناس أنفسهم من الفقر الذي نما في الأرواح ومن العقول التي تركت بلا رعاية ومن الكفاءات التي أهملت حتى تحولت إلى ذكرى

وعندها فهم المتأخرون ما لم يفهمه الأوائل

أن الحجر لا يفكر ولا يبتكر ولا يداوي أزمة ولا يصنع اقتصادا ولا يكتب مستقبلا

وأن الأمة التي تبني ألف جدار وتترك عالما واحدا مهملا إنما تستبدل الذهب بالتراب دون أن تشعر

وفي زماننا هذا يقف كثير من حملة الماجستير والدكتوراه كأشجار مثمرة على أطراف الطريق

تمتلئ أغصانهم بالمعرفة وتثقلهم سنوات البحث والدراسة والخبرة لكن أحدا لا يمد يده ليقطف الثمرة

في الوقت الذي تتسابق فيه أمم أخرى إلى جمع بذور العقول قبل أن تجمع أحجار البناء

فالدول المتقدمة لا تنظر إلى أصحاب الكفاءات باعتبارهم أرقاما في ملفات بل باعتبارهم مصانع للأفكار ومناجم للمعرفة ومحركات للمستقبل

إنها تعرف أن المبنى مهما ارتفع سيبقى كتلة صامتة أما الإنسان المؤهل فهو الذي يمنح الحجر معنى ويحول الأسمنت إلى جامعة والأرض إلى مصنع والفكرة إلى حضارة

ولذلك لم تكن أعظم ثروات الأمم المتقدمة في أبراجها ولا طرقها ولا جسورها

بل في ذلك العقل الذي يجلس خلف مكتب صغير في جهاز إداري كفء أو مختبر متواضع أو قاعة بحث هادئة

هناك يبدأ المستقبل

أما الحجر فليس سوى الصفحة التي يكتب عليها الإنسان قصة تقدمه

وما أكثر الأمم التي امتلكت الأسوار ثم ضاعت وما أقل الأمم التي امتلكت الإنسان ثم فشلت

فالحضارات لا تنهض حين يعلو البناء فوق الأرض

بل حين يعلو الإنسان فوق الإهمال.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *