الصحفية: خديجة محمود عوض
حين تُمسك الكاتبة “مناني فراح” بالقلم، لا تنسج حروفًا، بل تبعث حياةً أخرى من بين جزيئات الصمت. لا تكتب لتُدهش، بل لتتشافى. لا تهرب إلى الحرف، بل تُواجه به. في نصوصها، يلتقي علم المادة بهشاشة القلب، وتتقاطع المعادلات مع القصائد. إنها كاتبة لا تفصل ما بين الحبر والوجدان، بل تمزجهما معًا، لتُولد على الورق أنثى تبحث عن ذاتها، وتكتب كي لا تتيه.
في هذا الحوار الخاص، اقتربنا من العالم الداخلي لـ”مناني”، تلك التي لم نرَها في نصوصها فقط، بل استمعنا إليها كما لو كانت تهمس بصدقها على صفحةٍ بيضاء.
… -…
– من تكون “مناني” حين تخلع عن نفسها عباءة الكاتبة؟
فتاة بسيطة، مدللةٌ بحنان والدها، تسبح بين المعادلات والحروف، تحاول أن تكتشف ذاتها كلّما كتبت أو قرأت. تدرس علوم المادة، لكنّ قلبها يسكن النصوص، لا المعامل.
– ولدت لديها الشرارة الأولى للكتابة “حين لم يفهم أحد وجعها، ولكن فهمه الورق.”
هكذا تصف بدايتها. لم تكن لحظة إلهام بل لحظة خذلان. اختارت أن تحكي للورق ما عجزت عن قوله للناس. منذ ذلك الحين، صارت الكتابة ملجأً لا يُغلق.
– وقالت عن علاقتها بالنص؛ هو مرآتها الأكثر صدقًا.. تكتبه أحيانًا بما جرى، وأحيانًا بما تمنت لو جرى؛ هو مزيج من واقعٍ وخيال، من حلمٍ عاشته، ووجعٍ خافت لم تستطع البوح به إلا في صيغة جملة.
– سُئلتَ: تتقبلين النقد؟
فأجابت: “بشرط أن لا يُطفئني.”
هي لا ترفض النقد، لكنها تُفرّق بين من يريد البناء، ومن يسعى للهدم. ترى في النقد مرآة لا سوطًا، وتُصغي فقط لما يُعيد ترتيبها لا لما يُبعثرها.
– أمَّا عن حلمها الأدبي المؤجل.. فهي؛ تحلم بمكتبة تحمل مؤلفاتها: هذا الرفّ بصمتها العلمية، وذاك بصوتها الإنساني. بين دقة المادة ورقة الشعور، بين المعادلة والقصيدة، تحلم أن تجد مكانًا يُشبهها ويضمّها بكامل تناقضاتها.
– رسالتها لكل فتاة تملك الحرف وتخشى البوح كانت؛
“اكتبي… فالكتابة لا تحتاج إذنًا.”
لا تنتظري التصفيق، ولا تسمحي للخوف أن يصادرك. لأن الكلمة إن لم تُقَل، ماتت… وإن لم تخرج، اختنقنا بها.
– سألتها: هل يمكن أن تُسلب منكِ الكتابة؟
أجابتني: “أنا أكتب كي أكون، فلا يمكن أن أكون دونها.”
فالكتابة عندها ليست هواية، بل جوهر. مثل الاسم، مثل ملامح أبيها، مثل أول ندبةٍ لم تلتئم… الكتابة فيها، منها، ولها.
– أنا عن النصٍّ الذي تودّ لو خُلِّد..
نصها عن والدها. لم يكن نصًا بل نَفَسًا من القلب. كتبته حين اشتد الحنين، وكان أصدق ما سُكب منها على ورق. تقول: “إن كنتُ قد كتبتُ مرةً من روحي، فقد كانت تلك المرة.”
– ولو همس قلبها لقارئها، سيقول:
“حين تقرأني، فأنت لا تلامس حبرًا، بل وجعًا صادقًا اختار أن لا يصرخ.”
لا تكتب لتُروى، بل لتُشاركك ثِقلًا خفيًّا، شعورًا لم ينجُ إلا لأنه كُتب.
وفي نهاية الحوار، قالت: “كأنني تحدثت مع نفسي لأول مرة.”
شعرت أنّ الكلمات كانت مرآة لها، وأنها اكتشفت في هذا الحوار وجهًا ما كانت تعرفه. ربما لهذا السبب نكتب، لنرى وجوهنا الخفيّة.
—
مناني فراح ليست كاتبةً تبحث عن صيت، بل عن صدق. تُشبه الذين يكتبون كي لا يذبلوا، وتكتب كي تظلّ حيّة. في نصوصها صوتُ من لم يُنصت له، ووجعُ من اختار الورق ملاذًا. نغلق هذا الحوار، لكننا على يقين أن القادم منها سيكون أكثر وجعًا… وأكثر حياة.
مجلة: الرجوة الأدبية
![]()
