...
IMG 20260609 WA0051

 

 الكاتبة: عاليا عجيزة

 

هناك عتمة لا تشبه الليل؛ عتمة تسكن النفس عندما تغلق الحياة أبوابها في وجوهنا، وتتركنا نقف في ممر ضيق ومظلم، نتلمس الجدران الباردة بقلوب مرتجفة. في تلك اللحظات يبدو كل شيء مصمتًا، ثقيلاً، ومستحيلاً، تمامًا مثل هذا الباب الخشبي العتيق الذي أكل الدهر من أطرافه، وارتسمت عليه تجاعيد الزمن السوداء. لكن في أشد لحظات العتمة حلكة، ومن حيث لا نحتسب، تولد بصمة أمل.

 

بصمة الأمل ليست صخبًا، وليست ضياءً يملأ الكون فجأة؛ بل هي ذلك الشعاع النحيل، الدافئ، والمثابر الذي يتسلل من ثقب قفل قديم ليشق عتمة المكان، ويعلن أن خلف هذا الجدار المصمت عالمٌ كامل ينبض بالحياة والضوء.

 

الباب المغلق في وجوهنا ليس مجرد لوح من الخشب، إنه رمز لكل اللحظات التي شعرنا فيها بالعجز. هو الصدمات التي تجعلنا ننكفئ على أنفسنا، والخطط التي تهاوت قبل أن تكتمل، والأحلام التي ظننا أنها دُفنت خلف أسوار الواقع الصعب.

 

عندما ننظر إلى الباب نرى خشبًا قسّاه الزمن، ومقبضًا حديديًا باردًا وداكنًا، يعكس ظلًا طويلًا يمتد كشبح يحاول أن يبتلع ما تبقى منا.

 

اليأس بارع في تضخيم نفسه. يهمس في عقولنا بأن القفل صدئ، وأن المفتاح قد ضاع، وأن المحاولة مجرد ركض وراء السراب. يرينا الظل الممتد على الخشب ويكاد يقنعنا أن العتمة هي الأصل، وأن الضوء مجرد استثناء عابر. لكن الحقيقة الإنسانية الخالدة تخبرنا بعكس ذلك تمامًا؛ العتمة مهما تمددت وجارت، يكسرها عود ثقاب واحد.

 

تأمل هذا الثقب الصغير. إنه لم يُصنع ليكون نافذة، ولم يُصمم ليدخل منه النور، بل صُنع ليكون مقرًا لمفتاح معدني صلب يغلق ويفتح. لكن النور لا يعترف بالقوانين الجامدة. عندما تشرق الشمس في الخارج يجد الضوء طريقه عبر أضيق الممرات.

 

هذا الثقب يمثل الفرصة الصغيرة التي نتجاهلها غالبًا في أوقات أزماتنا:

 

كلمة طيبة من عابر تشحن أرواحنا المنهكة.

فكرة بسيطة تلمع في أذهاننا وسط ركام الفشل.

محاولة أخيرة نقوم بها وقلوبنا توشك على الاستسلام.

 

الشعاع الذهبي النابع من الثقب يبدو في الصورة كبصمة مضيئة، كإصبع من نور يربت على كتف الخشب المظلم. هذا الضوء يحمل معه رائحة الحرية في الخارج، يذكرنا بأن العالم لم ينتهِ عند عتبة هذا الباب، وأن هناك شمسًا كاملة، وهواءً نقيًا، وحدائق تتنفس خلف هذه السدود.

 

أن تولد فينا بصمة أمل يعني أن نتوقف عن النظر إلى الباب المغلق بكليته، وتبدأ عيوننا بالتركيز على النور المتسلل من ثقبه. الأمل ليس وهمًا نخدع به أنفسنا، بل هو رؤية شجاعة ترى الممكن في قلب المستحيل.

 

عندما يتسلل هذا الشعاع إلى الغرفة المظلمة يحدث تحول كيميائي في مشاعرنا:

يتبدد الخوف: لأننا ندرك أننا لسنا محاصرين في ظلامٍ أبدي.

تستيقظ اللهفة: يبدأ الفضول الإيجابي في دفعنا للتساؤل: “ماذا ينتظرني هناك؟”

تتولد القوة: فجأة يمتلئ الجسد المنهك بالطاقة للنهوض، والتقدم نحو المقبض الحديدي، ومحاولة تحريكه مجددًا.

 

إن الأمل يبدأ كبصمة، علامة مميزة وخاصة بكل فرد منا. لا أحد يرى النور بنفس الطريقة التي تراها أنت، ولا أحد يستقبل الأمل بنفس النبضة التي يشعر بها قلبك. إنها بصمتك الروحية التي تخبرك أنك ما زلت حيًا، وما زلت قادرًا على الحلم.

 

إن الوقوف وتأمل شعاع النور أمر جميل، لكن الأمل الحقيقي يكتمل عندما نتحرك نحوه. الرجل الشجاع لا يكتفي بالنظر إلى الضوء المنبعث من ثقب القفل، بل يمد يده إلى ذلك المقبض الحديدي الثقيل. قد يكون باردًا، وقد يكون تحريكه مؤلمًا ويحتاج جهدًا يضغط على أعصاب اليد، لكن اليقين بأن هناك ضياءً كاملًا في الانتظار يجعل كل ألم يهون.

 

بصمة الأمل التي تولدت في العتمة هي الدافع الذي يخبرنا أن الأبواب لم تُصنع لتبقى مغلقة للأبد، بل صُنعت لكي تُفتح. والشعاع النحيل الذي شق الظلام ما هو إلا وعد صادق بأن الخطوة القادمة، رغم صعوبتها، ستأخذنا من ممر الخوف الضيق إلى فضاءات الحرية والتحقق الواسعة.

 

انظر دائمًا إلى ثقوب الأبواب العتيقة في حياتك؛ فمنها يدخل النور، ومنها تبدأ أعظم قصص العودة والنجاح.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *