الكاتبه أمل سامح
في حياة كل إنسان لحظة يكتشف فيها أن الغياب ليس استثناءً، بل جزء من الحكاية.
نظن في البداية أن الموت يحدث للآخرين فقط، وأن الوجوه التي اعتدنا وجودها ستبقى في أماكنها دائمًا. لكن الأيام تمضي لتكشف لنا الحقيقة الأقدم في هذا العالم: لا أحد يبقى.
يأتي الفقد فجأة، كضيف ثقيل لا يستأذن قبل الدخول. يترك خلفه كرسيًا فارغًا على مائدة العائلة، ورقمًا محفوظًا في الهاتف لم يعد يجيب، وصوتًا ما زلنا نسمعه في ذاكرتنا كلما اشتقنا.
في اللحظات الأولى، يبدو الأمر مستحيلًا.
كيف يمكن لشخص كان يملأ أيامنا حضورًا أن يتحول إلى صورة معلقة على الجدار؟ وكيف لضحكة كانت جزءًا من تفاصيل يومنا أن تصبح مجرد ذكرى نستدعيها كلما ضاقت بنا الحياة؟
نقاوم الفكرة بكل ما نملك.
نبحث عنهم في الأماكن التي كانوا يحبونها، وفي الكلمات التي اعتادوا قولها، وفي الأغاني التي ارتبطت بهم. نحاول أن نقنع أنفسنا أن الغياب مؤقت، وأن الأبواب ستُفتح ذات يوم ليعود كل شيء كما كان.
لكن شيئًا لا يعود كما كان أبدًا.
تمر الأيام ببطء في البداية، كأن الزمن نفسه يشاركنا الحداد. ثم يبدأ كل شيء في التغير على مهل. تخف حدة البكاء، وتصبح الذكريات أقل إيلامًا، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأن القلب لا يستطيع أن ينزف إلى الأبد.
وهنا يحدث التحول الأكثر قسوة.
لا نتعافى من الفقد كما نظن، بل نتعلم العيش معه.
نتعلم أن نبتسم رغم الفراغ، وأن نكمل الطريق رغم النقص، وأن نحمل الغائبين معنا دون أن نتوقف عند كل ذكرى.
فالحزن، مهما كان عظيمًا، لا يملك رفاهية البقاء في ذروته إلى الأبد.
الحياة تمضي، وتجرنا معها.
تتبدل الوجوه، وتتغير الأيام، وتأتي أحداث جديدة تشغلنا عن جراحنا القديمة. ثم نفاجأ بأننا مررنا بيوم كامل دون أن نبكي، وأسبوع كامل دون أن نستحضر تفاصيلهم، فنشعر بالذنب للحظة.
لكن النسيان ليس خيانة.
الخيانة الحقيقية أن نتوقف عن الحياة لأن أحدًا رحل.
أما النسيان الجزئي الذي يمنحه الزمن لنا، فليس إلا رحمة خفية، وطريقة ذكية ابتكرها القلب لينجو من ثقل الذكريات.
ومع مرور السنوات، ندرك حقيقة لم نكن مستعدين لها:
العالم لا يتوقف حين يغيب أحد.
تشرق الشمس في موعدها، وتستمر الأحاديث، وتمتلئ الأماكن بأشخاص جدد، بينما يواصل الزمن رحلته غير عابئ بخساراتنا الصغيرة والكبيرة.
عندها نفهم أن الغياب ليس نهاية الحياة، بل نهاية الوهم الذي أقنعنا يومًا أن بعض الأشخاص سيبقون إلى الأبد.
وفي النهاية…
لا يموت الإنسان حين يفقد من يحب.
بل يموت الجزء الساذج فيه، الجزء الذي كان يظن أن الزمن سيستثني أحباءه من قوانينه.
ثم ينهض من جديد، مثقلًا بالذكريات، لكنه أكثر فهمًا للحياة.
يتعلم أن يحمل الحب دون أن يمتلك أصحابه، وأن يحتفظ بالذكرى دون أن يعيش أسيرًا لها.
ويتصالح أخيرًا مع الحقيقة التي هرب منها طويلًا:
أن الجميع راحلون…
وأن الجميع، عاجلًا أم آجلًا، سيعتاد الغياب
![]()
