الكاتبه نور عبد الله
ثم أخذت تحدق في المدينة من خلال النافذة، ساهمةً، كعادتها حين تفتح ذلك الدفتر المتآكلة صفحاته. كل صفحة من ذلك الدفتر كانت تحمل اسمًا، ولحظة، وخفقة قلب… وكثيرًا منها كان يحمل وجه جيوفاني حين كان أكثر شبابًا، وأكثر ضوءًا.
تأملت المدينة طويلًا، بصمتٍ يشبه صلاة قديمة، قبل أن تنهض لتعدّ العشاء، فموعد عودة جيوفاني قد اقترب، والليل في ميلان لا يحب الانتظار.
عاد جيوفاني لمنزله الصغير متى أرخى الليل سدوله. وقف عند باب المنزل لثوانٍ قبل أن يفتح، ويده تمس مقبض الباب، كأنّه يُعدّ نفسه لعالم مختلف عن الخارج. في السوق، هو جندي في معركة يومية؛ يساوم، ويكدّ، ويتصبب عرقًا. أما هنا… فكل شيء هشّ، كأنّ عليه أن يكون لطيفًا بما يكفي حتى لا يكسر قلب زوجته أو خيال طفله.
تنهد بعمق، ثم مسح جبينه بكم قميصه، ودخل بشوشًا. وجد زوجته وابنه ينتظرانه على العشاء.
ارتمى ألفريدو ذو الأعوام الخمسة في حضنه، محاولًا أن يحيط كامل خصره بيديه الصغيرتين، دافنًا رأسه في ثيابه رغم رائحة العرق التي تكاد تُرى من شدتها. فقام جيوفاني بحمله ورفعه حتى صارت عيناهما في نفس مستوى البصر.
دائمًا ما يتوه في سوداوي عيني ابنه، ويبصر فيهما نفسه وطفولته، ويلمح كل ما حرمته منه الأقدار من حنان وبراءة. أخذ يدور به في الهواء ملاعبًا مازحًا، حتى إنك لتسمع قهقهاتهما، ولترى ضحكاتهما التي تضفي على سكون ليل ميلان الكئيب مهجةً وبسمة.
هذا أفضل جزء في اليوم بالنسبة للفتى، فهو يحب أن يلعب مع أبيه، ولو كان بوسعه لاستغنى عن كل لُعب الدنيا ورفاقها، حتى لعبة الملك التي يتوّج فيها أصدقاؤه ملكًا على الحي، ويقومون بخدمته فلا يعصون له أمرًا، مقابل ساعات مع والده وقصصه المشوّقة عن المغامرات التي عاشها في صباه مع العصابة التي كان يقودها، غير آبه بما يدسّه جيوفاني فيها من نفحات الخيال.
إلا أنّ الحياة سرقته منه بذريعة العمل، من شروق الشمس إلى أن تأكلها السماء، فتتلطخ بدمائها المشوبة بلون اللافندر.
![]()
