...
IMG 20260617 WA0008

 

الكاتبه نور عبد الله

 

ولا يقطع هذه اللحظات المميزة غير صوت نيكيتا الأريحي، قادمًا من غرفة الطعام:

 

— إن لم تأتيا حالًا، فلا أضمن لكما العشاء.

 

رد عليها جيوفاني مشاكسًا، وقد أطلق ضحكة عالية متعمدًا:

 

— دائمًا مستعجلة، لن تتغيري! هيا يا ألفريدو، وإلا سنكون نحن العشاء القادم.

 

ضحك الطفل على مزحة والده، وركض إلى مكانه حول الطاولة، ولحقه جيوفاني ليجد شريكة حياته تصب الحساء في الأواني. ملامحها الحنون، وحركتها الحيوية، تهزمانه كالعادة، وتأسران قلبه كلقائهما القديم قِدم النجوم.

 

قطعت أحرفها المنسابة من حنجرتها لحنًا يُذهب شروده:

 

— الحساء كاد يبرد، ونحن ننتظرك.

 

حين يرى نيكيتا تصبّ الحساء، يشعر بطمأنينة لا تشبه أي شيء. لم يكن من أولئك الرجال الذين يكتبون الشعر، لكنه يعرف جيدًا أن حضورها هو الشيء الوحيد الذي أنقذه من أن يتحوّل إلى ظلّ شخص آخر.

 

— آسف، السوق كان مكتظًا اليوم، واضطررنا جميعًا للبقاء.

 

قالت نيكيتا دون أن ترفع بصرها عن الطبق الموضوع أمامها، فمن يحتاج للكلمات أو المناظرات وقد تكلمت الأرواح:

 

— الحمد لله أن العمل يسير على ما يرام.

 

سرح الرجل في شفتي زوجته كزهرة القحوان في رياض يرويها الغيث، ووميض عينيها الذي اختزل سحر بابل وغنج الحسان. جلس على مقعده، ولم تسعفه كلماته إلا ببوهج ينبعث من مقلتيه، يعلن أن هذه الخنساء دخلت فؤاده مستعمرةً، حتى ملكته منه طوعًا.

 

أكمل الجميع وجبة العشاء بصمت، إلى أن كسر ألفريدو الصغير جداره، موجهًا كلامه لأبيه:

 

— أبي، احكِ لي عن صديقك ألفريدو.

 

كانت أحرف الاسم أشبه بوخزات في قلب الزوجين. تبادلا نظرات لم يفهمها الصغير؛ أهي حزن أم حنين؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *