المحررة: زينب إبراهيم
هناك كتّاب لا يكتبون ليملؤوا الصفحات بل ليتركوا جزءًا من أرواحهم بين السطور وحين تتحول الكتابة إلى وطن يلوذ به الإنسان كلما أثقلته الحياة، تصبح الكلمة فعل نجاة لا مجرد حروف. الكاتب أحمد عبد الشافي واحد من هؤلاء الذين يرون الأدب مساحة للتأمل ولغة قادرة على تضميد ما تعجز الأيام عن مداواته.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة الرجوة الأدبية، نقترب من عالمه الإبداعي ونسير معه بين أسئلة تبحث عما يختبئ خلف النصوص نكتشف إنسانًا يؤمن بأن الكلمة الصادقة تبقى، وأن الكاتب الحقيقي لا يكتب ليعجب الآخرين بل ليكون صادقًا مع نفسه أولًا.
بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، من هو أحمد عبد الشافي الذي يختبئ خلف غلاف الكتاب؟
أنا إنسان يؤمن بأن للكلمات قدرةً على مداواة الأرواح، وأن الكتابة ليست حروفًا تُنسج، بل مشاعر تُترجم وأفكارٌ تبحث عن موطن في قلوب الآخرين.
لو كانت كتابتك مدينة، كيف ستبدو ملامحها؟
إنها مدينة هادئة، تتجاور فيها أزقة التأمل مع ساحات الأمل، وتضيئها مصابيح الصدق، ويغمرها ضبابٌ جميل يدعو إلى التفكر لا إلى الضياع.
هل هناك فكرة تؤمن بها، لكنك تتردد في كتابتها؟
الفكرة التي قد تُساء قراءتها، فيُحاكم قصدها بدلًا من معناها، مع أنني أؤمن بها إيمانًا كاملًا.
هل تكتب لتنجو من شيء، أم لتصل إلى شيء؟
أكتب لأجمع بين الأمرين؛ أنجو مما يثقل قلبي، وأصل إلى حقيقةٍ أعمق عن نفسي والإنسان.
لو اختفت الكلمات يومًا، كيف سيعبر أحمد عبد الشافي عن نفسه؟
سأدع أفعالي تتحدث عني، فالصمت الصادق أبلغ أحيانًا من أبلغ العبارات.
متى شعرت أن الكتابة لم تعد هواية، بل أصبحت قدرًا لا فكاك منه؟
عندما أدركت أنني أعود إليها في كل منعطف من حياتي، وكأنها الملاذ الذي لا يخيب.
أيهما أشد وطأة عليك: الصفحة البيضاء أم النقد القاسي؟
الصفحة البيضاء؛ لأنها تختبر قدرتي على البدء، أما النقد الصادق فهو فرصة للتعلم والنمو.
حين تكتب، هل تفكر أولًا بالقارئ أم بصوتك الداخلي؟
أبدأ من صوتي الداخلي، ثم أحرص أن يجد القارئ نفسه بين السطور.
ما الجملة التي شعرت أنها لا تشبه قلمك فقط، بل تشبهك أنت؟
“ليست الكتابة ما أقوله للعالم، بل ما أقوله لنفسي حين يعجز العالم عن فهمي.”
لو خيرت بين الشهرة والصدق المطلق في الكتابة، أيهما تختار؟
أختار الصدق؛ فالكلمة الصادقة قد تعيش طويلًا، أما الشهرة فقد تكون عابرة.
ما السؤال الذي تمنيت أن يطرحه عليك أحد ولم يحدث حتى الآن؟
ما الأثر الذي تتمنى أن تتركه كلماتك في قارئٍ لن تعرفه أبدًا؟
هل سبق أن تمردت شخصياتك عليك أثناء الكتابة؟
نعم، وأحيانًا كانت أكثر حكمةً مني، فأخذت النص إلى نهايةٍ أجمل مما تخيلت.
كيف تتعامل مع فترات الجفاف الإبداعي؟
أصادقها، وأعتبرها فترةً ضرورية لإعادة الامتلاء قبل أن أكتب من جديد.
لو عاد بك الزمن إلى أول نص كتبته، ماذا ستقول لذلك الكاتب المبتدئ؟
لا تخشَ الخطأ، واكتب بقلبك قبل قلمك، فكل نص هو خطوة نحو النضج.
ما التجربة الإنسانية التي ترى أنها لم تُكتب بعد كما تستحق؟
التفاصيل الصغيرة في حياة الإنسان العادي، فهي تحمل من العمق ما يفوق كثيرًا من الحكايات الكبرى.
بعد ليلة كتابة طويلة، ماذا يبقى في قلبك حين تطفئ المصباح؟
يبقى مزيج من الراحة والامتنان، وكأنني تركت جزءًا من روحي بين السطور.
https://www.facebook.com/profile.php?id=100030982184510
كثيرًا ما ينعكس الألم في كتاباتك. وهذا النص الذي كتبته عن الفقد يلامس القلب، هل كان محاولة للبوح أم للنجاة؟
لم يَعُد هُناكَ شيءٌ بجواري، ماتَ فؤادي، وتشتتَ عقلي بعدَ الفراق، لماذا رحلتِ؟ أكانَ التخلي قرارُكِ أم هو اختيارُ القدر؟ لقد كُنتُ كطفلٍ صغيرٍ بحضنِ والداتهُ يستمع كل ليلةٍ لتلكَ القصصِ الطفولة، والغريبُ أنني كُنتُ أستَلِذُّ بصوتكِ، بقصصكِ وحكاياتكِ… كيفَ لكِ أن تتركِ طفلُكِ هكذا؟ لماذا غادرتِ الحياة بمفردك؟ وأنا أولُ من أحبك، لماذا لم أرحل معكِ وأتخلصُ من هذا العذاب؟ أكانت أيامي معكِ وهمٌ؟ الآنَ صارَ عقلي مُشتتٌ بينَ حلمٍ وعِلم، مُتعلقٌ بكلماتكِ وصوتكِ، فَرَّقنا الموتُ يا عزيزتي، لكنَّ الروحَ حاضرةٌ معي، يُقربني منكِ الدعاءُ، أنتِ حاضرةٌ دومًا، عطرُكِ العالقُ في جسدي، صوتكِ، نبضُكِ، كُلُّكِ تعيشينَ داخلي، أنا فقط بانتظارِ اليومَ الذي نلتقي في الجنة، يومَ تحملُنا نفسُ الأرض.
ختامًا، كيف وجدت أسئلة هذا الحوار؟ وما رسالتك لمجلة الرجوة الأدبية؟
كانت الأسئلة عميقة، بعيدة عن النمطية، ومنحت الكاتب مساحةً للتأمل والبوح. وأتمنى لمجلة الرجوة الأدبية مزيدًا من النجاح والتميز، وأن تظل منبرًا يحتفي بالكلمة الهادفة والإبداع الأصيل.
![]()
