الكاتبة: يمان عبد الكريم
البعض يظن أن المنزل فقط من جدران وأعمدة وأساسات، وأن جميع البيوت تُبنى لتُسكن، والنوافذ لتُفتح، والشرفات ليقف عندها أحد، يُحيّي المارة، أو ينتظر عودة شخص تأخر. لكن ماذا لو أن هناك شرفة لا تطل على الشارع، بل على الداخل؟ شرفة لا تتزين بالأزهار، إنما بالأمل، والرسائل التي لم تُكتب بعد، والكلمات التي لم تجد صاحبًا يسمعها…
شرفة ليست مهجورة لأن الناس قساة القلب، ولكن لأنها في مكان بعيد، لا يراه أحد تقريبًا، وكثير من طرقها مغلقة… كل من يعرفني يمر بجوار البيت، يدخل من بابه، يجلس في غرفه، يضحك ويتحدث، ثم يغادر، دون أن يخطر بباله أن في الطابق الأعلى شرفة لم تُفتح منذ زمن.
حين أراهم يمرون دون أن يروها، أذهب لمواساتها وأجلس بها، تلك الشرفة الهادئة ذات الجو المريح، أنفض عنها الغبار، وأسقي الزهور الذابلة، وأقوم بتزييت بابها الذي بدأ الصدأ يبتلع مفصلاته المهجورة، وأملأ الفراغ الذي على الكرسي المنسي فيها، لكني لا أستطيع ملء فراغها بحضوري وحدي، ولا أجد أي مارٍّ قد يدخلها، فأغادرها كل مرة وأنا أظن أنني سأعود ومعي أحد، لكن الرفاق لا يُؤخذون إلى الشرفات كما تُؤخذ الهدايا، بل يأتون إليها إن اختاروها بأنفسهم، فيعيد الوقت الشرفة إلى حالة من الهجران، فيتراكم الغبار من جديد، وتبدأ الأزهار بالعطش، ولكنها لا تجد من يرويها، فتذبل مجددًا، ويعود الباب للصرير مناديًا على المارة للقدوم، والريح وحدها من يجيب، تحتويه وتبقي أناته لنفسها، فلا يفيده ذلك النداء اليائس…
لكن الأيام تمر، وتبقى الشرفة كما هي، يكسو الغبار سكانها الجامدين، وتموت الأزهار التي كانت تملؤها حياةً حين تخلو من المارين، وتنسى العصافير أنها كانت وجهتها ذات يوم… حتى أنا صرت أمر بجوارها وكأنها ليست جزءًا مني، لأن الاعتياد أخطر من الوحدة، فهو يزرع فيك أن الخراب كان دائمًا هكذا.
ومع ذلك… لا يُغلق بابها.
فالغريب في الشرفات أنها لا تُبنى انتظارًا لمن نعرفهم، بل أملًا بمن قد يمرون يومًا مصادفةً… ولهذا أبقيها دائمًا مفتوحة، لا لأنني واثقٌ أن أحدًا سيأتي، بل لأنني أخشى إن أغلقتها اليوم، أن يمر الشخص الوحيد الذي كان سيحييني غدًا، فلا يجد مكانًا يلوح إليه.
![]()
